الصورة غير متاحة

د. حامد أنور

 

مراكز الأبحاث في الغرب الآن تلطم الخدود وتشق الجيوب ويعلو صوتها بصراخٍ مغموسٍ بالحسرة.. لماذا فشلنا؟ لماذا لم ننجح في تغيير أولئك الهمج الرعاع القابعين في الشرق الأوسط رغم أننا قضينا مائتي عام نغسل أدمغتهم؛ نتلاعب بمناهجهم ونعقد المؤتمرات والمقررات؟! لماذا تحوَّل هؤلاء إلى قنابل موقوتة تستعد للانفجار في وجوهنا على أراضينا بل تهلِّل له أيضًا؟!

 

ورغم أنني من أولئك الهمج- وأفتخر- فأتباع الأنبياء في كل عصر عُرْضة لتهجمات السفهاء، إلا أنني لن أبخل عليهم بالمشورة، وسوف أقدِّم لتلك المراكز الأسباب، وسأسوق لهم المبرِّرات بموضوعية تامة وبحياد كامل.. كل ذلك وبدون أجر، لوجه الله- تعالى- فلا نريد منكم جزاءً ولا شُكورًا أيها الحمقى.

 

إن الخطأ يكمن في الفكرة الغربية في الأيديولوجية الغربية ذاتها في أنها متنافرة مع الفطرة الإنسانية.. مع الطبيعة البشرية.. مع متطلبات الإنسان؛ فقلب الإنسان أساسًا لا يجد متعته ولذته إلا في معية الله ورضا الرب عنه، وهذا ما أورده ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان" في تفسير قوله تعالى ﴿أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (الرعد: من الآية 17)، ولكن كلام ابن القيم قد يسبِّب حساسيةً للبعض؛ لذلك سنلجأ إلى كاتب آخر من أشهر من عايشوا الثقافة الفرنسية في وهجها وتوهجها، وهو توفيق الحكيم.

 

أيها السادة.. إنني موضوعي للغاية, وتوفيق الحكيم غير محسوب على الإسلاميين إطلاقًا، ولكنه يلخِّص لنا الحالة الغربية المتردية فيقول: "العقل يواصل انتصاراته بالعلم الذي نشأ عنه وأبدع مخترعاته واكتشافاته التي أذهلت الناس وجعلت قدرته تحجب الله تعالى" (كتاب توفيق الحكيم والأدب الشعبي للدكتور محمد رجب النجار نقلاً عن كتاب التعادلية في الإسلام للحكيم).

 

ويمضي الحكيم في تحليله: "واستمر التفكير العقلي يتطوَّر لوحده في قفزات باهرات جعل العصر الحديث ينسى النموذج الأصلي- وهو الكائن الأرقى- أو فكرة الله، ولا يرى غير العقل المنتصر بمفرده" (التعادلية في الإسلام: صفحة 65).

 

وما يقوله الحكيم هنا أصاب كبد الحقيقة؛ فلقد ظنَّ الغرب بعد أن منَّ الله عليه بالعلم الواسع في المجالات المختلفة وأحاط كل ذلك بهالةٍ إعلامية مبالَغٍ فيها أن بوسعه الاستقلالية الذاتية والتخلي عن الله خالقه وربه الذي سوَّاه بيديه، رغم عجز الإنسان عن مواجهة العديد من العقبات والمشاكل على الأرض، بل كلما تزداد قدرة الإنسان تضاءل حجم عدوِّه؛ فبعد أن كان يواجه في ضعفه الحيوانات المفترسة أصبح يواجه بعد تقدُّمه العلمي والتقني بكتيريا وفيروسات لا تُرى بالعين المجردة، ويقف أمامها خوَّارًا ضعيفًا.

 

حقًّا..﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب: من الآية 72)، وهذه الحقيقة أشار إليها القرآن في أول ما نزل ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 5)، ثم بعدها مباشرةً ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)﴾ فتوهَّم هذا المسكين أن بوسعه الاستغناء عن الله والاعتماد على قدراته الخاصة وإمكانياته، وهي- مع قصورها- هبةٌ منه سبحانه، ويبدو أنه يجب علينا أن نذكر هذا الإنسان أن أعضاءنا الأساسية في الجسد (عضلة القلب, الكلى, الكبد, المخ) تتحرَّك كلها بلا إرادةٍ منا.

 

إننا لا نملك من أمر أنفسنا شيئًا، ولكن هذا الإنسان الجهول مضى في غيِّه وتمرَّد على ربه، فقرَّر عدم الاستماع إليه والانقياد إلى حكمه وشرعه، فوضع مجموعةً من القيم والقوانين تنظِّم حياة البشر بديلاً لشريعة السماء، والتي  يصرُّ مستكبرًا كأن لم يسمعها، وقد فشلت كل هذه القوانين البشرية في أن تجلب الأمن والاستقرار السلام الاجتماعي والنفسي، وها هم يخرجون علينا بخرقةٍ باليةٍ جديدة يسمونها "اتفاقية السيداو" يجعلونها مرجعيةً وحيدةً لكل المجتمعات والدول.. إنه القانون الاجتماعي لكل دول العالم في عصر العولمة ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (غافر: 12).

 

ويقول الحكيم عن رؤية هذا الإنسان لنفسه: "فعلاً بأن الإنسان وحده لا شريك له في هذا الكون، وأنه إله هذا الوجود، وأنه حرٌّ تمامَ الحرية، وبهذا الجواب قضى على تعاليم الأديان، وختم العصر بطابع المادية، وينجم عن ذلك أيضًا خضوعه للنتائج المترتبة على سيطرة العقل وحده" (التعادلية صفحة 45، 46).

 

ولكن العقل الإنساني متفاوت من شخص لآخر، كما أنه يقع أسيرًا لسلطان الهوى والانقياد وراء الغرائز والمصالح الشخصية، وهو يتَّسم بإرادةٍ عاجزةٍ؛ فمن يتناول المخدرات يعلم تمامًا أخطارها، ومع ذلك فهذا العالم يستقبل الآلاف يوميًّا من المدمنين؛ فالعقل الإنساني دومًا يضعف أمام لهيب الهوى، ولا ينقذه إلا نور الإيمان.

 

ليس هذا فحسب، بل هناك أمر آخر.. يقول الحكيم: "وكان لهذا الاختلال نتيجته الطبيعية، وهي القلق؛ فالقلق السائد في النفوس اليوم مبعثه هذا الاضطراب في ميزان التعادل بين العقل والقلب، بين الفكر والإيمان" (التعادلية صفحة 46).

 

لقد غرس الغرب بفلاسفته وأفكاره القلقَ في النفس البشرية، وأصابها بخللٍ يشبه تمامًا الخللَ الذي يحدث في وظائف الأعضاء وأجهزة الجسم نتيجة المرض العضوي؛ فلقد أصيبت النفس البشرية التي تبنَّت الأيديولوجية الغربية بالمرض؛ بمرض القلق، والذي لا مناصَ منه إلا بالعودة إلى ميزان النفس السابق؛ ذلك الميزان الذي وضعه الخالق داخل كل البشر: "التوازن بين العقل والقلب"، ولن تستطيع المخترعات الحديثة ووسائل الترفيه المتعدِّدة وأدوات السعادة والبهجة التي لا نهايةَ لها أن تعوِّض الإنسان أو تحقق له هذا التوازن إلا بالعودة إليه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: من الآية 124).

 

فالعقل والقلب قوًى متعادلة، وليست متصارعةً أو متناحرةً، وهذا أيضًا ما أشار إليه ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل مع النقل"، ويدلنا القرآن أيضًا على أن الإيمان هو السبيل الوحيد إلى التناسق والراحة النفسية في قوله- تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ﴾ (الأنعام: من الآية 82)، والظلم هنا هو ظلم الشرك، وكلما كان التوحيد نقيًّا لله وصافيًا كان الأمن والتوازن النفسي متحقِّقًا إلى أقصى درجة؛ لذلك فالغرب لا يعلم مدى السعادة التي يشعر بها أولئك الذين يقومون بالعمليات الاستشهادية، وكيف يتسابقون إليها.. إنهم لا يتعاطون أي أدوية أو عقاقير، إنها لذة التوحيد وحسن الاتباع والتجارة مع الله تعالى ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ (التوبة: من الآية 111).

 

نعود إلى الحكيم ورؤيته من أجل تحقيق هذا التوازن بين العقل والإيمان، وأين نجده، والسبيل للوصول إليه، وكيف أن الإسلام هو الوحيد الذي قدَّم لنا هذه الرؤية فيقول: "وللوصول إلى المعرفة الكاملة فلا ينبغي للعقل أن يطغى على القلب فلا ينتفع بنوره، ولا أن يطغى القلب على العقل فيخسر تفكيره المنتج، والإسلام مارس هذه التعادلية" (التعادلية في الإسلام: صفحة 129).

 

هذا رأي الحكيم الذي عايش منظومة القيم الفرنسية، والذي رأى فيها عدم الأهلية لقيادة الحضارة الإنسانية.

 

لقد فشل الغرب وسيفشل؛ لأن أفكاره وأيديولوجيته تحمل بداخلها عوامل الانهيار، تحمل في طياتها أسباب سقوطها.. أنها تندحر أمام شبح القلق، لقد فشل الغرب وسيفشل؛ لأنه جعل حياته البهيمية مقدَّسةً ومقدَّمةً على تعاليم الإله، جعل حريته وإرادته ندًّا لخالقه.

 

إنني أرى أصحاب الرسوم المسيئة لنبي الإسلام مثل أبقار الدنمارك، مثل حيواناتهم؛ فكلاهما في طريقة العيش سواء؛ ذلك الإنسان الذي أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا يتحدَّى جبار السماوات والأرض ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)﴾ (القلم).

-----------

* d.hamedanwar@yahoo.com