د. الحسيني الجيزاوي
لما سلَّط الله الفرعون على أهل مصر وبني إسرائيل زمن موسى، فجعل أهلها شيعًا، واختار طائفةً منهم، فقربهم وجعلهم الصفوة، يأكلون ويتمتعون بقصورهم وأموالهم على نهر النيل، الذي كان يجري بالحياة في أرض مصر، ويميِّزها عن بقية الممالك من حولها، وكان فرعون يتعالى على مَن حوله ويتكبَّر عليهم ويقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (الزخرف: من الآية 51)، وكان هؤلاء هم الصفوة أو الملأ كما تدل على ذلك آيات القرآن الكريم.

ثم كانت طائفة أخرى فقيرة تعمل عند الصفوة من أجل أن تجد قوت يومها، وكان البون شاسعًا بين الملأ والطبقة الكادحة، وكانت هناك طبقة الكهنة التي تعيش على إرضاء الفرعون وعلى خداع البسطاء ليرضوا بالذل وبإرضاء إلههم الفرعون، كما كانت هناك طبقة السحَرة الذين ملأوا المدن والقرى، وكانوا يعيشون على الشعوذة والدجل، ويسمح لهم الفرعون بذلك، طالما أنهم لا يمسون ملكه، بل يطلبون رضاء الفرعون في كل ما يصنعون.
وكانت هناك طبقة بني إسرائيل (بقية الموحِّدين) من أيام دعوة يوسف وبقية آل يعقوب الذين ورثوا دعوة آبائهم وعاشوا على الإسلام.. هؤلاء غضب عليهم الفرعون؛ لأنهم رفضوا أن يتخذوه إلهًا، وظلوا مصرِّين على عقيدتهم، واشتد غضبُه عليهم حينما تنبَّأ له الكهنة بأن زوال ملكه وهلاكه سيكون على يد أحد شبابهم، فحرمهم من حقوق المواطنة، وعاملهم معاملة الخدم والعبيد، بل أشدّ وأقسى، وأصدر أوامره بأن يُقتَّل أبناؤهم، وأن تُستحيا نساؤهم، وأن يُصَبَّ عليهم العذابُ صبًّا.
ولم يكن أمام الموحدين من بني إسرائيل، وقد تقطَّعت بهم السبل، إلا أن يصبروا ويحتسبوا وينتظروا الفرج من ربهم، فرفعوا أكفَّ الضراعة إلى الله يسألونه أن ينجيهم من فرعون وظلمه.
حينذاك صدر القرار الرباني ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص).. إنه القرار الرباني الذي صدر لنصرة هذه الفئة المستضعفة المظلومة في مواجهة ظلم الفرعون.
ولو أننا عاصرنا لحظة صدور القرار لعجبنا وقلنا: أنَّى لهذه الفئة أن تنتصر وهي بهذا الضعف ولا حول لها ولا قوة وقد امتلأت السجون من أبنائها وقُتِلَ العديد منهم، وحُرِمُوا من أموالهم، وغُلَّت أيديهم وكمِّمت أفواهُهم، وأيضًا لزاد عجبنا، ونحن نرى جنود الفرعون في كل مكان بالآلاف تُحيط بالموحِّدين من بني إسرائيل، وترصد عليهم حركاتهم وسكناتهم، ولو توجه بضعة منهم يرفعون مظلمةً إلى الفرعون لوجدوا أمامهم أضعاف أضعاف عددهم يحُولون بينهم وبين ما يريدون.. لو عشنا لحظة صدور القرار لعجبنا ولقلنا متى ذلك؟ وكيف لنا ذلك؟ وأنَّى لنا ذلك؟ ولكنها إرادة الله الذي ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)﴾ (يس).
ويصدر القرار، وتمضي الأيام، ويولد موسى، وينجيه الله من الموت، ويعود نبيًّا مرسلاً إلى الفرعون، ويتحداه ويقول الفرعون غاضبًا ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ (غافر: من الآية 26)، ولا يستطيع.. وتنتشر دعوة موسى، ويؤمن به السحَرة وغيرهم، حينذاك يستشيط الفرعون غضبًا ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (23)﴾ (النازعات)، فجمع كل أتباعه وجنوده وصفوته وخرج مطاردًا موسى وأتباعه ليلقَى مصيره غارقًا في بحر ظلمه وظلماته ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (يونس: من الآية 92).
فهل يَعتبر أصحاب الكراسي اليوم وهم يرون آثار الفراعنة شاهدةً على مبلغ قوتهم وعظمتهم وجبروتهم؟! ولكن كل ذلك ما أنقذهم من غضب الله!! فهل تتعِظ الأحفاد بمصير جدِّهم الأكبر الذي عرف ربه وهو يصارع الأمواج القاتلة، فأدرك أن الله هو الحق وأن كل ما كان عليه هو الباطل؟! يا ليتهم!!.
----------