قبل أن أخطَّ هذه الكلمات بدقائق هاتفني ابن أخي د. محمد المدثر العريان يُعزيني من الدمام ويُبشرني أنه رأى بعد فجر يوم الجمعة 22/2/2008م رؤيا أظنها صالحة؛ فهو مَن تصدق رؤياهم، ولا أزكيه على الله، رأى أن أخي وحبيبي د. سناء عبد الله أبو زيد قد حصل على الدرجاتِ النهائية، وهو ما نتمنَّاه له ونتوقَّعه جزاءً من أرحم الراحمين، وقد كنتُ أتمنَّى خلال الساعات السابقة أن نرى لأخي سناء ما تقرُّ به أعيننا.
ماذا أقول في رثاء أخي سناء؟!
يكفي هذه الحشود الصادقة التي جاءت تُودعه بمجرد علمها بوفاته قُبيل فجر الخميس 15 من صفر 1429 هجريًّا الموافق 21 فبراير 2008م، ولكل مَن حضر موقفٌ يتذكَّر فيه سناء أبو زيد، جاءت حُبًّا صادقًا دون التزاماتٍ أو توجيهات، يوجِّهها حبها الصادق، ويُلزمها الوفاء لرجلٍ ترك بصمةً في تاريخ كل شخصٍ منهم؛ إما بكلمةٍ صادقةٍ أو بتوجيهٍ تربوي أو بوقفةٍ حازمةٍ أو بأثرٍ غير مباشرٍ.
لقد امتلأ المسجد رغم اتساعه، وضاقت جنباته والحدائق المحيطة به، وازدحمت المقابر لوداع رجلٍ من أهل الآخرة، فلم يكن أبدًا من أهل الدنيا، عَرَفَ طريقه إلى الله منذ نشأته شابًّا في طاعةِ الله، ولزم الاستقامة طوال حياته كما عهدناه، واجتهد في أخذ نفسه بالعزائم، فعاش بسيطًا ومات بهدوءٍ، وترك لنا حُبًّا كبيرًا له في قلوب كل مَن عرفه أو اقترب منه.
كان أبرز ما يُميِّز أخي سناء بين أقرانه حرصُه الشديد على معرفةِ ما يُرضي الله ورسوله؛ التزامًا بقول الحق تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: من الآية 1)، وكان لا يكتفي- منذ نشأته- بالسؤال والاستفهام من أهل الذكر، بل كان حريصًا على الاطلاع والموازنةِ بين آراء الفقهاء واختيار ما يراه أخذًا بالعزيمة في نفسه والأيسر في نفس الوقت على نفسه التي روَّضها على احتمال المشاقِّ في سبيل مرضاةِ الله.
قُبيل زواجه اجتهد في وضع لائحةٍ عصريةٍ لبيتِ الزوجية مكتوبة يُحدد فيها حقوق وواجبات الزوج والزوجة، وكان يحاول بكل قوةٍ الالتزام بما يراه صحيحًا، مثل أن "تطعمها مما طعمت"، فإذا تناول طعامًا خارج البيت فإما أن يأخذ لزوجته منه أو يمتنع عن تناوله؛ وفاءً لها.
وفي تعامله مع أولاده كان حريصًا كل الحرص على العدلِ بينهم في كل شيء؛ حتى إننا اجتهدنا في إقناعه بترك مدةٍ- ولو قصيرة- بين عقد الزواج لابنته خليدة وبين يوم الزفاف، وسبب امتناعه أنه لم يفعل ذلك مع أخواتها الثلاث اللاتي سبقنها في الزواج، ولم يفعل حتى رضين هُنَّ بذلك.
في ذلك كله وفي شأنه كله كان يُذكِّر كل مَن يعرفه ويتعامل معه بهدْي الإسلام وسنةِ سيد الخلق- عليه الصلاة والسلام- فكان شخصًا من السلف الصالح يعيش ببيننا غريبًا وسط مَن يأخذون أنفسهم بالرُّخَص ولا يُلزمون أنفسهم بالعزائم.
كان يُحب القرآن الكريم، وله مع ألفاظِ القرآن شأن مختلف؛ يتوقف عند البيان القرآني، ويجتهد في فهم أسرارِ البيان المعجز، وعندما اقتنى تفسير الشيخ الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" فرح به وجعله فوق رأسه؛ يعود إليه يوميًّا بعد صلاةِ الفجر ليتزوَّد منه، وكان لا يُباريه أحدٌ في فهم أسرارِ اللغة العربية وبيان القرآن الكريم.
كان واصلاً لرحمه ولو به مشقة، ولا أنسى كيف تحامل على نفسه في مرضه الأخير رغم إلحاحنا عليه بسبب المرض، وأصرَّ على الذهاب لزيارةِ شقيقته بإحدى قرى المحلة الكبرى وفاءً لها ورغبةً في عدم إزعاجها هي وبقية الأهل الذين تواعدوا على اللقاءِ؛ خشيةَ أن يُضْطروا إلى الحضور جميعًا إلى القاهرة بسبب غيابه لعذر المرض، وكان بارًّا بوالديه- رحمهما الله تعالى- باقيًا على البر بهما حتى بعد وفاتهما، وأوصى أولاده بنفس تلك الوصية.
في اختياره لأسماء أولاده حَرَصَ على إحياءِ ذكرى الصحابة والصحابيات، ولم يختر اسمًا عشوائيًّا، بل كان لكل اسمٍ من أسماء أولاده قصة يُحيي بها سيرةَ الصالحين والصالحات، فأحيا أسماءً لم تكن معروفةً في أجيالنا، ورغم ممازحتنا له في غرابةِ بعض الأسماء إلا أن إصراره نجح في تشبُّه الكثيرين بهذه السنة، فحيت أسماء مثل "خلاد" و"أُبي" و"رفيدة" و"نسيبة" و"خليدة" و"أمامة" و"أديس" و"سرَّاء" و"سنينة".
تسلَّم قسم الأشبال فأحياه ورسم له طريقًا جديدًا تحيى به الدعوة المباركة التي انتسب إليها منذ كان طالبًا بكلية طب قصر العيني في منتصف السبعينيات، واختارته الجمعية الطبية الإسلامية ليشرف على القسم المختص بتحقيق رسالة الجمعية الدعوية والتربوية، فكتب سلسلةً من المطوياتِ حول أخلاقيات الطبيب المسلم تستحق أن تُجمع في كُتيِّب لتكون دليلاً للأطباء جميعًا في التحلِّي بمكارم الأخلاق التي أتمَّها الإسلام جميعًا، كالرحمة والأمانة، والصدق والكرم.. إلخ.
كان جادًّا في حياته كلها، زاهدًا في هذه الدنيا الفانية، متواضعًا للناس، رحيمًا بإخوانه، ذليلاً على المؤمنين، قويًّا في الحق، متفوقًا في دراسته، مقبلاً على إتقان العمل في كل مجالٍ عَمَلَ فيه، صادقًا في عزمه ونيته، مخلصًا في شأنه كله، نحسبه كذلك ولا نُزكيه على الله- تعالى- والله حسيبه.
دَرَسَ في مدرسة المتفوقين الثانوية بعد تفوُّقه في الشهادة الإعدادية، فاغترب بالقاهرة منذ مراهقته وشبابه، ثم التحق بكلية طب قصر العيني، وتخرَّج عام 1976م قبلي بسنةٍ واحدة، فتزاملنا وتعايشنا سويًّا في رحابِ الكلية وفي المدينة الجامعية، فكان- رحمه الله- نِعْم الأخ ونِعْم الصديق، وصَدَقَ مَن قال: رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمك.
تعرَّفنا على هذه الدعوة المباركة- دعوة الإخوان المسلمين- مع نشاطنا الطلابي، فكان أحد ركائز العمل الإسلامي في كلية الطب بجامعة القاهرة وأحد الذين اتخذوا قرار الالتحاق بهذه الدعوة المباركة دون تردد، ثم كان أحد روَّاد هذا الجيل الذي حمل رايةَ الدعوة، فربَّى الأجيالَ التاليةَ، وترك بصماته التربوية في آلاف الشبابِ والفتيات.
في مرضه الأخير كان صابرًا راضيًا، شاكرًا لربه تعالى مخبتًا، أوابًا مُنيبًا، تكالبت عليه عدةُ أمراض، كالقلب والكبد والتسمم الدموي، وعاودته النوبات القلبية حتى كانت تأتي في اليوم الواحد أكثر من مرة، وكنتُ أعوده فأتألَّم لحالته، وعجز الطب والأطباء عن معرفة سبب ارتفاع نسبة الصفراء إلى هذا الحدِّ المخيف رغم حالة الكبد الجيدة وعدم وجود سبب واضح للانسداد، وكنت أقول لأولاده وزوجته الصابرة المحتسبة المجاهدة: "إننا في منتظر معجزةٍ أو كرامةٍ من كراماتِ د. سناء التي عوَّدنا عليها طوال حياته"، فكم عهدنا معه من كراماتٍ هي حق للصالحين ويجب أن يُخفيَها، ونُخفيها نزولاً على وصيته.
نَفَذَ قضاء الله وسهم القدر، ورحل أخي سناء محفوفًا بدعوات الصالحين من إخوانه وأحبابه وتلاميذه ومريديه، فهنيئًا لكَ يا سناء؛ ارتحت من تعبِ الدنيا ووصب الحياة، ومكابدة الأمراض ووحشةِ الناس، وانتقلت إلى رحابِ ربٍّ كريمٍ رحيمٍ ودودٍ أحببت لقاءه، فنسأله- تعالى- أن يكون بك رحيمًا ودودًا، غفورًا حليمًا، وأن يجعل قبرك روضةً من رياضِ الجنة، وأن يجعلك- كما اجتهدت دائمًا- في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يبلِّغك بمرضك الأخير منازلَ الشهداء، فكم تمنيتَ الشهادة بصدقٍ.
ولا أقول لك "وداعًا"، بل أسأل الله أن يجمعنا بك في جناتِ النعيم، إخوانًا على سررٍ متقابلين، وأن يُحسن خاتمتنا أجمعين، وأن يُثبتنا على الحقِّ حتى نلقاه غير مبدلين ولا مغيِّرين، ولا فاتنين ولا مفتونين.. اللهم آمين.