جاء رحمةً للعالمين، حمل رسالةً قامت على نبذ العنصرية وقبول الآخر، أكد بمواقفه العملية حرصه على إرساء وتدعيم مكارم الأخلاق، بل خطَّط لعالَم يسوده الودّ والوحدة، يتساوى فيه جميع البشر بمختلف معتقداتهم وألوانهم وأجناسهم.
لم يجبر أحدًا على اعتناق الإسلام، كان شعاره ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ (الكافرون)، دافع عن دينه وأثنى على من سبقوه من الرسل والأنبياء، ووصف نفسه الشريفة- بتواضعٍ جمٍّ- بـ"اللبنة" التي أكملت جدار التوحيد الذي أرساه إخوانُه من الرسل والأنبياء، بدايةً بأبينا آدم، ونهايةً بسيدنا عيسى عليهم جميعًا الصلاة والسلام.
أوجب على أمته حسن التعامل مع أهل الكتاب فـ"من آذي ذميًّا فأنا خصمُه"، وعدم المساس بمقدساتهم، إنه خاتم الأنبياء والرسل، رافع راية حرية التعبير التي تتنزَّه عن النَّيل من الرسل والمقدَّسات.
إنه محمد صلي الله عليه وسلم، الذي أنزل الناس منازلهم حتى لو اختلفت معتقداتُهم مع عقيدته صلى الله عليه وسلم، فنجده يصف "هرقل" بأنه عظيم الروم، ويكرم عدي بن حاتم الطائي لكرم أخلاق والده.
إنه الرحمة الذي عظَّم قيمة الإنسان حتى لو كان ينكر نبوَّتَه وشريعتَه، فها هو يقوم واقفًا أثناء مرور جنازة يهودي، وعندما استغرب أصحابه أكد أنها نفس بشرية من صنع الخالق وعلى الجميع احترامها.
إنه رسول الحكمة التي دفعت أعداءه من المستشرقين إلى الاعتراف بقيمته في تاريخ البشرية، فيؤكد أحدهم لو أن رسولنا العظيم يعيش بين ظهرانينا لحلَّ مشكلات العالم وهو يحتسي فنجالاً من القهوة.
إنه الإنسان الذي أبى أن يعتدي أيُّ شخص على حرمة الأجساد بعد وفاتها، حتى لو كان أعتى المحاربين المعادين لأمته؛ فقد نهى أتباعه إلى يوم الدين عن التمثيل بجثث الأعداء.
إنه المُصلح الذي ابتغى إصلاح العالم من المفاسد، وإنقاذ البشرية من وحل المادية التي تجرُّ العالم إلى أسفل سافلين.
إنه محمد الذي تقف الحروف والكلمات والمعاني عاجزةً عن وصفه، خَجِلةً من تقصيرها في حقه.
أمام هذه القمة الشامخة وجدنا نوعيةً من البشر صنعتهم العنصريةُ، وآذهم الشيطان، ودفعتهم أوحال المادية إلى التطاول والنَّيل من سيد الخلق، فتارةً يسوِّدون صحُفهم بعبارات التجريح، وتارةً أخرى يسوِّدونها برسومات كاريكاتيرية، تحمل أوصافًا لا تليق إلا بمثلهم من عبَّاد الشهوة، والإرهابيين الذين تفنَّنوا في إرهاب المحجَّبات والمسلمين عامةً.
ولم يكتفِ أحفاد الشيطان عبَّاد العنصرية بنشر جريمتهم مرةً واحدةً، بل عاودوا الكرَّة، معلنين تحديَهم لمشاعر المسلمين رافضين الآخر، كافرين بكل معاني حرية الاعتقاد والحريات الشخصية، معلنين للعالم عن حقدهم الدفين، وعزمهم الأكيد على مواصلة طريق الغواية ودقِّ طبول الحرب الخبيثة ضد أبناء عقيدة الإسلام.
بل وصل حقدُهم إلى تصوير مقاطع فيديو تصوِّر اعتداءات إجرامية على كتاب الله ملأوا بها ساحات الإنترنت، كما قامت هولندا مؤخَّرًا بتصوير فيلم للنَّيل من عقيدة المسلمين وكتابهم، ضاربين بكل الأعراف الدولية، التي تفرض احترام الكتب المقدسة على الجميع، عُرض الحائط.
وأمام هذا الإجرام المتصاعد خرج المسلمون في أنحاء العالم متظاهرين يعلنون غضبتَهم تجاه هذا الإجرام العنصري، وقد طالب البعضُ من أبناء الأمة ضبط النفس وعدم التظاهر، وأرى أن هذه المظاهرات هي حق للمسلمين للتعبير عن استنكارهم واستيائهم، وإشعار هؤلاء المتطاولين بأن الأمة ما زالت على قيد الحياة، وأنها على استعداد لدفع الغالي والثمين من أجل الذبِّ عن رسولها وقرآنها.
وبالطبع لن يقف دورُنا عند هذا الحد، بل علينا جميعًا أن نُفعِّل مبدأ المقاطعة لمنتجات أعداء الرسول؛ حتى تكون ردود أفعالنا فاعلةً لا منفعلة فقط، فهؤلاء لا يعرفون إلا لغة المادة، وإن توجيه ضرباتٍ اقتصاديةٍ لبلدانهم سيكون له بالغُ الأثر، ولا أتصور أن يُدخل المسلم إلى بيته أيَّ منتج دنماركي أو هولندي بعد هذا التطاول الفاشي على عقيدتنا ورسولنا، فهنا يظهر الولاء والبراء.
ولا يفوتني أن أثني على دور العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، الذي طالب المسلمين بمقاطعة منتجات أعداء رسولنا العظيم، وإصداره فتوى بتحريم شراء منتجاتهم.
كما علينا جميعًا نصرة رسولنا بنشر سيرته العطرة والاقتداء به صلى الله عليه وسلم، وتعليم أبنائنا منهجه وسنته الشريفة، وتدشين حملات إعلامية في الفضائيات والصحف والإنترنت لتعريف العالم برسول الإنسانية، وإزالة الغشاوة التي يحاول العنصريون فرضَها على أعين غيرنا وليكن شعارنا: (معًا لنصر رسول الله).
ولا أستطيع أن أنكر أنني كنت مقتنعًا بإدارة حوار مع هؤلاء المتورِّطين في هذه الجريمة وأثنيت كثيرًا على مبادرة الداعية عمرو خالد والدكتور طارق سويدان من أجل تعريف هؤلاء بقدر الرسول العظيم، لكن أثبتت الأيام أن هذه النوعية من البشر يتحكَّم فيها الحقدُ الدفينُ والعنصريةُ البغيضةُ، ولا تُجدي معها هذه اللغةُ الراقيةُ التي تعجز عقولُهم العقيمةُ عن استيعابها، وصدق فيهم قول الله عز وجل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 120).