حضر الدكتور سناء أبو زيد إلى مستشفى الجمعية الطبية الإسلامية بحلوان عندما كنت مديرًا لها، وطلب عمل بعض الفحوص الطبية، وذهبت معه إلى معمل التحاليل لأخذ عيِّنة من دمه؛ حيث كان رحمة الله عليه يعاني من التهاب الكبد.

 

وأثناء سحب العيِّنة كنت أشعر بأن الألم يعتصره، وهو يغالبه بابتسامة رضا لم تفارقه أبدًا، وكان متجمِّلاً بصبر جميل وحلم أثير، فلا المرض أيأسه ولا الاعتقال أقنطه، بل كان يستقبل أقدار الله بالرضى والتسليم والإذعان، حتى عندما حاولتُ مواساته بكلمات متلعثمة شرع، رحمة الله عليه، في محاضرة قيِّمة عن أقدار الله، وكيف أن حركة الحياة كلها لها بُعدٌ بشريٌّ قاصرٌ وحكمةٌ ربانيةٌ عظيمة، ولو صبر الإنسان قليلاً على أقدار الله، ولم يحكم عليها ببشريته القاصرة فسوف يستكشف آفاقًا أرحب وصورًا أعظم لإرادة الله في كونه.

 

وذكر لي رحمه الله ما شاهده موسى عليه السلام من خرقٍ لسفينة المساكين، وقتلٍ للطفل البريء، وكيف أن النظرة البشرية كانت قاصرةً والحكمة الربانية كانت عادلة ومجزية.

 

لقد كان رحمة الله عليه طبيبًا ربانيًّا، كنت كلما رأيته تذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يتحدث عن سرِّ حبِّه للأنصار، وتفضيله لهم على غيرهم؛ حيث وصفهم بقوله: "إنهم يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع"، فهكذا كان الدكتور سناء أبو زيد.

 

كنا في معسكر بالغردقة أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ووقف بعد العشاء ليقول خاطرةً، وكانت موجزةً ومؤثرةً عن حبه وسعادته الجمة عندما ينظر إلى وجوهٍ التقت على طاعة الله وتوحَّدت على دعوته وتعاهدت على نصرة شريعته، وذهبنا بعد ذلك إلى متحف الأحياء المائية ووقفنا أمام حوض للأسماك الملونة ذات الأشكال العجيبة، فوقف رحمة الله عليه يصرخ فينا: انظروا، رأيتم الله أيها الأحبة؟ رأيتم الله؟ وكانت كلماته مؤثرةً جدًّا، وتعلَّمت يومها أن درس الدين ليس خطبًا في الفقه والشريعة فقط، بل إن لفت أنظار الناس للكون المرئي دعوة إلى الله.

 

وكان رحمة الله عليه متواضعًا يجلس في مؤخرة الصفوف وربما كان في الصدارة بعض تلاميذه، وربما يكون هو الذي أعد الكلمة لبعضهم ثم يجلس منصتًا فاغرًا فاه معجبًا ومهتمًّا.

 

حدثني قائلاً: ذات يوم وقف أحد الإخوة ليتكلم، وكان الحديث مملاًّ وسطحيًّا، وكلما نظر إلى جواره شاهد الحاج أحمد حسنين رحمة الله عليه مشرئبًّا بعنقه ملقيًا بسمعه وبصره للمتكلم بكل اهتمام، وبعد الكلمة همس الدكتور سناء في أذن الحاج أحمد حسنين: أراك معجبًا ومهتمًّا بما قاله الأخ، فأجابه: أبدًا الموضوع كان مملاًّ وباردًا، ولكن حسن البنا علمنا إذا تكلَّم الأخ فأعيروه اهتمامكم وشجِّعوه بإقبالكم عليه.

 

ومن الطرائف التي رواها لي أنه كان في طريقه بوسط القاهرة، وعندما حضرته صلاة المغرب دخل مسجدًا متواضعًا في شارع جانبي، ولما أقيمت الصلاة تلفَّت حوله، وأوشك أن يتقدَّم للإمامة فوجد عاملاً رثَّ الهيئة، كانت ملابسه المتواضعة عليها آثار الشحم والزيت، فدار في ذهنه هاجسٌ بأنه كان أولى أن يصلي بالناس لعلمه وتلاوته، وعندما بدأ العامل التلاوة فوجئ الدكتور سناء أبو زيد بصوت شجيٍّ رخيمٍ وتلاوةٍ صحيحةٍ، بل وكان العامل يتلو من سورة لم يكن الدكتور يحفظها، وقال لي لقد تعلمت يومها درسًا بألا أحكمَ على أحدٍ بمظهره أبدًا، وأن أتواضع للآخرين، وأقول لنفسي دائمًا كل الناس خير منك يا سناء.

 

وأذكر أنني ذهبت لعيادته ذات ليلة لعرض بعض الأمور التي تعنُّ لي، وفي عيادته المتواضعة بالجيزة في الدور الأرضي وجدت الدكتور معلِّقًا شهادته الابتدائية؛ حيث كان الأول على المحافظة، وهي لفتة ذكية للأطفال الذين يفدون لعيادته، وعندما جلست معه خلعت ساعتي ووضعتها على المكتب وقلت: أعلم أن وقتك ثمين، ولا أريد أن أطيل عليك، فسأضع الساعة لألتزم بالوقت، فقال: البس ساعتك وتحدَّث بما شئت والوقت الذي تريد، فأنا متفرِّغ لك تمامًا، وذكَّرني رحمة الله عليه بابن عباس، وكيف ترك الاعتكاف في المسجد النبوي ليخرج مع رجل يقضي له حاجة، وأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

 

أخي سناء.. كل الناس يموتون، ولكن منهم من أضاع حياته هدرًا بظنه أنه يحسن صنعًا، فقال الله فيه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (الفرقان: من الآية 23)، ومنهم من صدق الله بيعته، وعمل لدعوته فقال الله فيه: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).. وعسى أن تكون منهم بفضل الله ورحمته.

 

أخي الحبيب المغادر سناء.. لو انتهشت الأمراض جسدك فعافية الله أوفى وأرغد، ولو أراد الظالمون سجنك فرحابة الفردوس مثواك وموئلك، ولو رحلت عن إخوانٍ يحبونك في دار الفناء فالأنبياء والصدِّيقون والشهداء رفقاؤك في دار البقاء، ربح البيع أخي سناء، ربح البيع، نم قرير العين فرحان، فلا تثريب عليك بعد اليوم أبدًا.

----------

الزاهر، مكة المكرمة- Alaasaleh59@hotmail.com