(مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 23).. تذكرت هذه الآية الكريمة التي كثيرًا ما قرأتها ولكني شعرت بطعم خاص عندما سمعتها من الدكتور سناء أبو زيد في بواكير لقائي به في خواتيم الثمانينيات من القرن الماضي، عندما جمعتني معه جلسة إيمانية فإذا به يقرأ الآية الكريمة وقد اهتزَّ لها كيانه ودمعت لها عينه وانفطر لها قلبه.

 

وما أن لقيته بعد ذلك ووقفت خلفه في صفوف المسجد حتى وجدته يقف عند هذه الآية الكريمة مخبتًا متأوِّهًا من شدة وقعها عليه وتأثُّره بمعانيها وشوقه إلى انضمامه لهذه الثلة المباركة من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ منهم من قضى، ومنهم من ينتظر أن يحل عليه الدور بشوقٍ للقاء الله.

 

ومرَّت الأيام وتوالت حتى وقفت مصليًا خلف المرشد الراحل الأستاذ مصطفى مشهور- رحمه الله- ووجدت المشهد يتكرَّر وهو يتلو الآية نفسها، تذكرت ساعتها الدكتور سناء أبو زيد، وربطت بين وقفات الرجلين الخاشعة عند هذه الآية الكريمة، ولم يدر بخلدي حينها أنَّ ثرى قبر واحد سيضم الجسدَين مع تعاقب الأيام؛ "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر".

 

وعندما توثَّقت علاقتي بالأستاذ المربي الدكتور سناء أدركت سبب الإخبات والتأثر الخاص بهذه الآية الكريمة؛ فقد لمست في الرجل إيمانًا راسخًا ورجولةً لا تخطئها عين، وصدقًا في القول والعمل ووفاءً بالوعد وحفاظًا على العهد مع الله- عز وجل- ويقظةً ليوم البعث والنشور، وانتظارًا للقاء الله بشوق وحب، وانتظارًا للقاء الأحبة؛ محمدٍ وصَحْبِه، وثباتًا على الحق، وحذرًا من التبديل والتغيير.

 

لقد كانت الآية الكريمة عنوانًا لحياة الرجل، وتلخيصًا لمسيرة كريمة وحياة نبيلة لم تطل كثيرًا وكأنه كان يتحسَّب لقصر الأجل، فآثر أن يستثمر حياته ويترجم كل سكنة أو حركة فيها برهانًا على حبه لربه واتباعه لنبيه.

 

مواقف من حياته

لقد حفلت حياة الرجل بمواقف عديدة تستحق أن يقف عندها المربون لدراستها والتأسي بها وتعظيم الاستفادة منها، رغم عدم اكتراث الرجل بالحديث عن نفسه أو تسجيل ذكرياته أو تدوين أفكاره التي آثر أن يودعها في قلوب الرجال قبل أن يسطرها على الورق، بل ورغم تقصير كثير من تلاميذه ومحبيه في تدوين مواقفه وكتابة لمحاته التربوية ومآثره الدعوية، ولكننا نقف الآن على طائفة محدودة من تلك المواقف في حياة الداعية العملاق.

 

بدأت تلك المواقف مع بواكير حياته؛ حيث كان حدثًا صغيرًا في مرحلة عمرية لا يتوقَّع فيها أن يقوم المرء بدور دعوي، وتحكي إحدى أخواته موقفًا حدث معه وهو في الصف الخامس الابتدائي؛ حيث كان مواظبًا على صلاة الفجر وسائر الصلوات في المسجد، إلا أنه افتقد أباه في صلاة الفجر في بعض أيام الشتاء القارس، فما كان من سناء الطفل إلا أن قال لوالده بأدب جم: "يا أبي.. أنا أخرج إلى صلاة الفجر في المسجد وتتربص بي الكلاب وأخشى أن تؤذيَني لأنني أكون بمفردي"، فما كان من الوالد الكريم إلا أن استوعب الدرس الذي أخذه من طفله الحدث المفطور على الدعوة، وما فاتته بعدها صلاة الفجر في المسجد.

 

في المرحلة الابتدائية خرج سناء مع بعض أصحابه إلى الحقول المجاورة في قريته الصغيرة التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، ووجدوا بعضًا من "أكواز" الذرة التي تركها أصحابها في مكان قصي؛ زهدًا فيها لعدم أهميتها، فأخذ كل واحد منهم "كوزًا" من الذرة، وعاد الطفل سناء بما أخذ إلى أمه، فقالت له: من أين لك بهذا يا سناء؟. فقال لها: وجدناه في الحقل المجاور فأخذناه. فقالت له: ولكن هذا ليس من حقك يا سناء، فكيف تأخذ ما ليس لك؟!. فاعتذر لها بعدم معرفته، وانخرط في بكاء عميق على ما تصوَّر أنه ارتكبه من جرمٍ حتى أشفقت عليه أمه من فرط بكائه، ثم اختفى من بين يديها ليذهب إلى الحقل المجاور الذي أخذ منه الذرة وليقف باكيًا أمام صاحب الحقل الذي بادره متعجبًا من موقفه وهو يسأل: ما بالك يا بني؟ ماذا دهاك؟ وماذا حدث لك؟ هل أصابك مكروه؟. فيقول الطفل سناء: "يا عم.. أخذت هذه من حقلك ولم أكن أعلم أن هذا حرام"، فما كان من الرجل إلا أن احتواه بين ذراعيه ودعا له ولأهله بالبركة، وأخذ حزمةً من "الأكواز" وقال له: بل هذه كلها لك يا سناء حلالاً طيبًا. وانطلق إلى أمه بعدد من "الأكواز" الحلال.

 

لم يكن يتصوَّر البعض في مسجد القرية أن طفلاً حدثًا في بداية المرحلة الابتدائية يواظب على الصلاة في المسجد بصورة جادة، وكان السائد أن الصبيان يدخلون المساجد للعبث واللعب، فما إن دخل في أحد المرات إلى المسجد ليصليَ حتى وجد خادم المسجد يؤذيه بالقول ويطلب منه الخروج مع وصلة من السباب والشتائم التي آلمته كثيرًا، فانهمر الدمع من عيونه وفوجئ الرجل بهذا البكاء المفرط، واعتذر له بعد أن أدرك أنه نوع خاص من الأطفال لم يعهده من قبل.

 

ونحن نتجاذب الحديث حول الكون الفسيح بكواكبه ومجرَّاته ونجومه وأجرامه التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأن ذلك كله ما دون السماء الدنيا بينما نحن نقف في بقعة صغيرة من الكون ويقبل بعضنا على المعاصي ويظلم بعضنا بعضًا، وفي هذه الأثناء حكى لي بعضًا من مشاعره عندما كان يصلي في بواكير المرحلة الابتدائية، وكيف أنه كان يستغرق في الصلاة وتلاوة القرآن وهو يتخيل حجمه في هذا الكون الواسع؟، وكيف كان يشعر أنه يناجي ربه وأن روحه تطوف بالملأ الأعلى وينصرف عن الدنيا وما فيها خلال هذه الدقائق المباركة؟، ويتخيل أثناء الصلاة أنه صعد إلى السماء وخرج عن أقطار الأرض الضيِّقة المحدودة إلى رحاب الله العلي الكبير المتعال، ولم يبق له من علاقة بالأرض وجواذبها سوى هذا الجسد الهزيل الضعيف.

 

في المرحلة الإعدادية حكى لي موقفًا حدث معه في الحقل متزامنًا مع نتيجة آخر العام في الشهادة الإعدادية؛ حيث كان مشغولاً في الحقل مع أبيه في أعمال الزراعة، وفوجئ بأحد أقاربه يأتي مسرعًا ويناديه: "يا سناء.. ألف مبروك؛ ظهرت النتيجة وحصلت على الترتيب الأول على مستوى محافظة الدقهلية، هيا أسرع حتى نذهب سويًّا إلى المدرسة؛ فالجميع في انتظارك"، إلا أن سناء رفض- والفرحة تداعبه- أن يترك أباه، وقال: "لن أذهب حتى أنجز العمل المطلوب مع أبي"، وانتظر حتى أنجز عمله في الحقل وفوَّت على نفسه نشوة الثناء على تفوقه من أقرانه وأساتذته؛ برًّا بوالده.

 

في المرحلة الثانوية انتقل من القرية إلى القاهرة حيث مدرسة المتفوقين، فانتظم فيها واجتهد في تحصيل العلم جهده، وكان حينها مثالاً للخلق العالي الرفيع والسمعة الطيبة واللسان العف، وذات يوم تحاور مع أحد أقرانه القاهريين في المدرسة وصدر منه لفظ يدخل عند أهل القاهرة في عداد المحظورات بينما يعد في عرف أهل القرية لفظًا دارجًا لا يشين قائله ولا يقع في دائرة الممنوع عرفًا وخلقًا، وقد فوجئ حينها برد فعل زميله الذي بادر بالشكوى لأستاذه بتلفظ سناء بألفاظ خارجة، وقد أصاب هذا الأمر إدارة المدرسة بالذهول لعلمهم بحسن خلقه وعفة لسانه، فما كان من المدرس إلا أن استدعاه وقال له: "ماذا قلت يا سناء لزميلك فلان؟" فقال ببراءة شديدة: "قلت له كذا" فقال المدرس: "ألا تعلم أن هذا اللفظ جارح وأنك أسأت إلى زميلك؟"، فبادر بالاعتذار لزميله وشرح لأستاذه الفروق بين مفهوم هذا اللفظ في القرية والمفهوم الذي فهمه زميله، ومنذ ذلك الحين أدرك ضرورة أن يتعرَّف على دلالات الألفاظ في اللهجات المختلفة.

 

انتقل سناء إلى المرحلة الجامعية في كلية الطب بقصر العيني ليبدأ بجد واجتهاد مرحلةً جديدةً تحتاج إلى مثابرة من نوع جديد، ولكن كان أول ما يبحث عنه في هذه اللحظات هو المسجد الذي لم يغب عن خاطره ولا وعيه لحظةً واحدةً، فكان يتردَّد على مسجد الكلية في بداية السبعينيات، فوجد مجموعةً من الشباب يقرءون القرآن ويتدارسونه، وعلم بعدها أن هذه هي الجماعة الدينية التابعة للجنة الثقافية باتحاد الطلاب، وقد كانوا من بعض الشباب الذي اجتهد في قراءة القرآن في حلقة تلاوة مسجدية، وفوجئ في هذه الحلقة بالحديث عن علم التجويد، فسأل بعضًا ممن حضر عن هذه الحلقة عن علم التجويد فعرف أن هذا علم كبير من علوم القرآن الكريم، فتألم لذلك كثيرًا وعلم أنه مقصِّرٌ في جنب الله بجهله بهذا العلم العظيم، فأصرَّ على تعلُّمه حتى أتقنه وقام بتدريسه في حلقة مسجدية.

 

وفي مسجد كلية العلوم حيث كان يدرس السنة الأولى لكلية الطب تعرَّف سناء على زميلٍ له توسَّم فيه سيمة الصلاح والتقوى، وشعر بقربه من قلبه، وكان هذا الزميل هو طالب الطب عبد المنعم أبو الفتوح، وانتقلا سويًّا في السنة التالية إلى مقر كلية الطب بالقصر العيني.

 

بدأ سناء يمارس نشاطه الدعوي في المسجد من خلال مقرأة القرآن في مسجد الكلية، وتوثَّقت علاقته في هذه الفترة بزميله الذي تعرَّف عليه في السنة الفائتة عبد المنعم أبو الفتوح، وتوسَّعت الحلقة القرآنية التي يشرف عليها الطالب سناء أبو زيد لتهوى أفئدة الطلاب إليه ويستفيدوا من لمحاته الإيمانية، وكان هذا النشاط تابعًا للجماعة الدينية التابعة للجنة الثقافية باتحاد الطلاب بكلية الطب جامعة القاهرة.

 

بدأت مجموعات الطلاب التي كانت تواظب على حضور جلسة التلاوة القرآنية تتوثَّق علاقاتها مع المعلم الطالب سناء أبو زيد، وبدأ التفكير في تفعيل اتحاد الطلاب والاستفادة الدعوية منه، وأطلقوا على أنفسهم اسم الجماعة الإسلامية بدلاً من الجماعة الدينية، وتولَّى الطالب عبد المنعم أبو الفتوح مهمة اتحاد الطلاب لتفوز الجماعة في الانتخابات الطلابية، بينما يظل سناء أبو زيد أول أمير للجماعة وفق ما تعارفوا عليه آنذاك، وأول مؤسس لهذه الصحوة المباركة الجديدة، وليختار منذ بواكير حياته الدعوية المهمة التي وهب نفسه لها؛ وهي تربية الرجال وتزكية النفوس، وتأليف القلوب وبناء الأجيال.

 

كان يقول دائمًا إن الصحوة التي نشأت في مقتبل السبعينيات من القرن الماضي كانت صحوةً ربانيةً تداعت على أثرها القلوب إلى طاعة الله ومحبة دينه على غير توافق، وكان النشاط الدعوي العام الذي كانوا يبادرون به في الجامعة مدخلاً لتعرفهم على دعاة كبار، من أمثال الأستاذ عمر التلمساني والشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي والشيخ عبد الحليم محمود والشيخ إسماعيل صادق العدوي وغيرهم من السادة العلماء والدعاة، فتشرَّبوا فقهًا معتدلاً عصمهم منذ بواكير أيامهم في حقل الدعوة من الشطط والغلو والعنف حتى تبلورت مفاهيم الوسطية والاعتدال لديهم.

 

شاء الله أن يتعرَّف قادة هذه الصحوة- وفي مقدمتهم الدكتور سناء أبو زيد- على دعوة الإخوان ليشعروا أنها عمقٌ لأشواقهم وترجمةٌ عمليةٌ لأفكارهم وينخرطوا في صفوف الجماعة.

 

ورغم هذا الوعي المبكر بالفهم المعتدل إلا أن الدكتور سناء أبو زيد كان كثيرًا ما يردِّد أن مسحةً من شدةٍ كانت تعتريهم في بدايات التزامهم أضفى عليها الإخوان- وفق قوله- مسحةً من الذوق والرقة والرحمة والحب والكياسة والفطنة التي كان يرى أنها من أبرز ما يميز الإخوان الذين تعلَّم منهم الكثيرَ في مسيرة حياته.

 

زواجه

فكَّر سناء أبو زيد في خواتيم سنواته الدراسية بكلية الطب في الزواج، وكعادته انصرف تفكيره إلى البحث عن ذات الدين، فتفقَّد من حوله فوجد فتاةً متدينةً تتسابق مع زملائها من الجماعة الإسلامية إلى طاعة ربها ورضوانه، فاستخار ربَّه وتقدَّم إليها وهو الشاب الذي لا يملك من حطام الدنيا شيئًا.

 

يحكي الدكتور سناء عن اليوم الذي ذهب فيه لخِطبة زوجته الدكتورة سميحة- رحمها الله- أنه شرع في ارتداء ملابسه، وقد كان له نظام خاص في ترتيب ملابسه؛ حيث كان يغسل القمصان والبنطلونات ويكويها كل أسبوع، ويأخذ البنطلون الأول مع القميص الأول كيفما توافق، بغض النظر عن اعتباراتٍ يراها الشباب مهمةً في تناسق الألوان أو خلافه، وتوافق في هذا اليوم أن يكون القميص الذي حلَّ عليه الدور مقطوعًا، فتردَّد برهةً وسأل نفسه؛ هل يغير هذا القميص ويستبدله بغيره مما هو خير منه، وخاف أن يكون في هذا الأمر نوع من العجب أو مدعاةٌ للزهو، فقرَّر مباشرةً أن يستمر على الترتيب المعهود دون تغييرٍ أو تبديلٍ.
أتمَّ الله له النعمة وتوافق الطرفان على الزواج، وكان على الدكتور سناء أن يعد العدة لبيت الزوجية، فكانت رحلة البحث عن شقة، فتوجه إلى منطقة بولاق الدكرور فعثر على شقة مكوَّنة من غرفتين وصالة؛ إحدى الغرفتين تطل على الشارع وترى الشمس والأخرى لا تراها، إلا أنه عندما دخل ليتعرَّف على مكوِّنات الشقة ويتسلمها اعتذر له المالك عن وجود أثاث ابنته التي طُلِّقت من زوجها في الغرفة المطلِّة على الشارع، وقال له: "من حقك أن تستغل الغرفة الأخرى والصالة إلى أن يأذن الله بزواج الابنة المُطلَّقة"، وقَبِل الدكتور سناء الأمر على هذا، وقبلت زوجته الكريمة التي جاءت من أسرة كريمة، ولكن حماسهما لبناء أسرة مسلمة وتخطي الحواجز التي صنعها المجتمع والتي تقف عثرة أمام الزواج دفعهم إلى الإصرار على مواجهة هذا الواقع والتصدي لتغيير هذه التقاليد، ومرَّت شهور وهم على هذه الحال بعد الزواج، وعندما رزقا بخلاد الابن الأول وشعرا أن الشقة ضاقت على الأسرة قال لزوجه: "ارفعي أكف الضراعة أن يزوِّج الله ابنة صاحب البيت"، فما إن فعلت حتى جاء نبأ الزواج، وأوفى المالك بعهده فرحًا بزواج ابنته، وأخلى الغرفة الثانية لترى الأسرة الصغيرة ضوءَ الشمس للمرة الأولى منذ بداية الزواج.

 

نعود خطوات إلى الوراء لنتعرف من الدكتور سناء على مرحلة تأسيس بيت الزوجية، وقد أصرَّ- ومعه زوجته رحمها الله- بأن يتزوَّجا بأبسط ما يمكن، وكانت مكونات الأثاث كالتالي:
- سرير تم تصنيعه بصورة محلية.

- دولاب صغير.

- كليم ملوَّن جاءه هديةً من والد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.

- مقاعد قطنية للضيوف وضعت على الأرض ووضع بوسطها الكليم الملون (بالمناسبة كان يعتز كثيرًا بهذا الكليم ويرتبط عاطفيًّا به).

- سبعة أطباق "وتر".

- خمس ملاعق  "وتر".

- ثلاث حلل لإعداد الطعام  "وتر".

- وابور جاز.

في هذه الشقة المتواضعة استقبل الدكتور سناء دعاةً وعلماءً، وحظيت الشقة ببركات لقاءات إيمانية ودعوية في مرحلة التأسيس الجديدة لجماعة الإخوان المسلمين في مرحلة السبعينيات.

 

ألحَّ كثير من إخوان الدكتور سناء عليه أن يتخيَّر مكانًا أفضل من هذا ويتخيَّر موقعًا لعيادته يدر عليه دخلاً كبيرًا، خاصةً أنه يمتلك من المهارة العلمية والفنية في حرفته ما يفتقده كثير من الأطباء الذين يسكنون في مناطق راقية بأعراف الناس أو يقيمون فيها عيادات تكون أرباحها مجزيةً، إلا أنه رفض وآثر أن يظل بين البسطاء من أمته.

 

بعد إلحاحٍ من إخوانه وإلزام له اضطر الدكتور سناء أن يقبل بالانتقال إلى شقة جديدة في منطقة أرض اللواء بفيصل، وهي أفضل حالاً، وكانت منطقةً حديثةً تحيطها الأراضي الزراعية من كل جانب، إلا أن الشقة كانت أكثر رحابةً من التي كان يسكن فيها، فاضطر- تحت الضغط- إلى أن ينتقل إلى المكان الجديد، وهي الشقة التي ظلَّ فيها حتى وفاته رحمه الله، ولم يغيِّر فيها منذ أخذها ولم يبدِّل، وظلَّت على حالتها بأثاث بسيط، ولكنك تشعر فيها بأنس ونظام وبساطة ربما تفتقدها في بيوت فارهة وقصور مشيدة.

 

وكان إذا ألحَّ عليه أحد إخوانه أن يغيِّر بعضًا من معالم الشقة أو يطور أحدًا من أركانها يقول له: إن شاء الله هنالك متسع لذلك، ولكن بعد مماتي، أما في حياتي فقد عشت هكذا وأريد أن أموت هكذا.

 

زهد ونجدة

في مرضه الأخير الذي طال سنوات بادرني غاضبًا وهو يقول: يريدون أن أضع تكييفًا في السيارة بدعوى أن حالتي الصحية تحتاج إلى ذلك، ولكنني لن أقبل. فقلت له: هوِّن عليك يا دكتور، سنتعامل مع الأمر على أنه نوع من العلاج وليس نوعًا من الترف، وماذا يملك المريض أن يقول لطبيبه إذا أراد أن يخفِّف عن مريضه؟! وإلا فلماذا تطلب من مرضاك- وأنت الطبيب- أن يستجيبوا لك؟!. فاستجاب وهو يسترجع على غير قناعة.

 

جاءه شخصٌ يطلب منه زيارة أحد المرضى في منطقة مجاورة لبيته، وكان المريض لا يستطيع الحراك، ورغم أن الوقت لم يكن مناسبًا وكان قد خرج لتوِّه من وعكة صحية منعه الأطباء على أثرها من الإرهاق أو الصعود إلى الأدوار المرتفعة، إلا أنه خفَّ للذهاب إلى المريض، وأخذ العنوان من أحد أقربائه، وطلب منه أن ينتظره على ناصية الشارع بعد ربع ساعة، وفي الموعد المحدَّد كان يقف الدكتور سناء في المكان الذي تمَّ الاتفاق عليه، وأخذ ينتظر ولكن الرجل لم يصل، ثم ذهب ليسأل عن بيت المريض إلى أن وصل إليه ووجد الشخص الذي واعده وقد أوشك على الوصول، فتعجَّب الرجل من انضباط الطبيب، ولقَّنه الدكتور سناء درسًا في المواعيد، وقال له: "عندما أقول لك سآتيك بعد ربع ساعة فأنا أعني ربع ساعة، ولا أعني أكثر من ذلك ولا أقل"، وصحب الرجل إلى المريض، إلا أنه فوجئ أنه في الطابق السادس، فغالب مرضه وصعد وكتب الروشتة وانتظر حتى يأتوا بالعلاج ليشرف على علاجه، واكتشف أن المريض أصيب بأزمة صحية نتيجةَ خلافات مع زوجته، فأحضر زوجته وأصلح بينهما، وعرَّف كلاً منهما بواجباته وحقوقه.

 

مرَّ عابر سبيل بعد صلاة الفجر يسأل عن عنوان قريبٍ فدلَّه على الطريق بعبارات دقيقة وهو يقول له: "قُبَيل المحل الفلاني وقريبًا من المحل الفلاني"، وتعجَّبت من وصفه الطريق وقوله "قبيل وقريب"، رغم أنني أعلم أن الفروق بين الأماكن ليست كبيرةً ولكنه قال لي: "لو قلت له عند المكان الفلاني لجانبت الصواب وجانبت الحقيقة"، وحكى لي كيف ينبِّه أبناءه على لمحات كهذه عندما يوقظ أحدهم أخاه ويقول له: "قم الساعة السادسة" بينما تكون الساعة السادسة إلا خمس دقائق أو ثلاث دقائق، وكيف أنه يردهم ويقول: "بل قم الساعة السادسة إلا ثلاث دقائق".

 

اضطر إلى أن يتأخَّر نصف ساعة عن موعد لزيارة أحد أصهاره، فاتصل به قبل حلول الموعد واعتذر للرجل عن التأخير، وظنَّ الصهر أن الدكتور سيعتذر عن الموعد، إلا أنه بادره بقوله: "بل أعتذر عن التأخُّر لمدة نصف ساعة" فصمت الصهر وواجه الموقف بدهشة بالغة، وكان صهره كلما قابله ذكَّره بالموقف وهو يضحك من هذه الدقة التي توارت خلف جدران مثقلة بدوامة الحياة.

 

حكى لي الحاج سعيد عبد الحميد المدير المالي والإداري لمستشفى الفاروق التي تُوفِّي فيها أنه جاء منذ سنوات بشقيقته وقد أصيبت في حادث مروِّع فقدت على أثره قدرتها على الحركة، وخلص الأطباء إلى أن حالتها ميئوس منها ولا تقبل العلاج، وأنها تنتظر ساعات حتى تلقى الله، ولكن الدكتور سناء طلب من إخوانه أن يوفِّروا له غرفةً يبيت فيها بجوار شقيقته، وقال: "لعلي أستيقظ بالليل فأدعو لها بدعوة يفرِّج الله بها الكرب"، وأقام بجوارها، وكان يجمع من يحضر من المستشفى ليدعوَ الله لها، وكما قال لي الحاج سعيد: "كان يدعو دعاءً لم أسمعه من قبل وبخشوع لم أعهده من قبل، وعندما جاء الطبيب المعالج وقال له: يا دكتور.. الحالة لن تتحسن، وإن عاشت فستظل بهذه الطريقة؛ لا تتكلم ولا تأكل إلا من خلال المحاليل، فنظر إليه الدكتور سناء وقال له: "قل يا رب"، وكان ذلك في حضور عددٍ من الممرضات  والموظفين في المستشفى، فما كان من المريضة إلا أن ترد على الطبيب وتقول: "قل يا رب"، فخرَّ الدكتور سناء ساجدًا لله وحمد الله وسط ذهول الحاضرين، وما هي إلا أيام حتى برأت الأخت من مرضها وخرجت وتلقَّت بعد سنوات معدودة العزاء في الدكتور سناء، فلله في خلقه شؤون؛ يصرِّف الأمور كيفما يشاء بحكمة بالغة وإرادة قاهرة.

 

رحم الله الدكتور سناء أبو زيد، وأسكنه فسيح جناته، ونفعنا بعلمه وأدبه ميتًا كما نفع به خلقًا كثيرًا في حياته.

---------

* نقلاً عن موقع إخوان الجيزة