قبل ميمونةِ 1952م التي تسمَّى بالثورة المصرية، انحصرت المراحل التعليمية في:

1- المرحلة الابتدائية (أربع سنوات)، يحصل الطالب في السنة الرابعة منها على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية.

 

2- المرحلة الثانوية (خمس سنوات)، يحصل الطالب في السنة الرابعة منها على (شهادة الثقافة)، ويبدأ التخصص من السنة الخامسة: إما أدبي، وإما علمي، ويحصل الطالب بعدها على شهادة إتمام الدراسة الثانوية، وكانت تسمَّى آنذاك "التوجيهية"، وبعد ذلك تبدأ المرحلة الجامعية.

 

وبالنسبة للمرحلة الابتدائية نلاحظ ما يأتي:

أ- كان هناك مرحلة سابقة لمدة ثلاث سنوات تسمَّى مرحلة التعليم الإلزامي.

ب- الالتحاق بالمرحلة الابتدائية يخضع لاختبار؛ بحيث لا يُقبل في المدرسة إلا الناجحون.

جـ- كانت اللغة الإنجليزية تدرس ابتداءً من الصف الأول.

 

وبجانب هذا كان هناك الكتَّاب الذي كان يقوم بمهمة أساسية، هي: تحفيظ القرآن الكريم، وللحق دون مبالغة كان التعليم في كل المراحل نموذجيًّا بالنظر إلى المدرِّس والمناهج، ومبنى المدرسة ومستلزماته، أي أن المدرسة كانت مدرسة.

 

ونستطيع أن نلخِّص أهم ملامح هذه المرحلة في النقاط المركزة الآتية:

1- كانت المدرسة تشغل مبنًى أُسِّس وبُني ليكون مدرسة, وكان الملعب الواسع من أهم مرافق المدرسة, وفيه تُعقد المباريات والحفلات ويصطف فيه التلاميذ.

 

2- كان التلميذ يدفع في بداية كل عام "مصروفات مدرسية" ضئيلة, ويُعفى منها الفقراء من الطلاب, وكان ما يدفعه الطالب أقل بكثير جدًّا مما يدفعه الطالب حاليًّا مقابل "حصة واحدة" في درس خصوصي.

 

3- كانت الإنجليزية تدرَّس ابتداءً من السنة الأولى في المرحلة الابتدائية، أما الفرنسية فتدرَّس ابتداءً من المرحلة الثانوية بجانب الإنجليزية.

 

4- كان المدرس معلِّمًا أستاذًا عالمًا بكل معنى الكلمة؛ فالمرحلة الابتدائية يتولَّى التدريس فيها الحاصلون على مؤهّلات عالية من خرِّيجي دار العلوم والأزهر والجامعات، وبدافع الوفاء أذكر بالخير من أساتذة اللغة العربية الأساتذة: رأفت الخريبي, وشمس الدين المحلاوي في المرحلة الابتدائية, وعبد الجواد جامع, ومحمد جلال, ومحمد عبد الرحمن النجدي في المرحلة الثانوية, ومن أساتذة الإنجليزية: إبراهيم العزبي (ابن ميت سلسيل- مركز المنزلة، دقهلية), وفياض, وعبد القوي, وفي الفرنسية أذكر الدكتور أمين واصف, الذي صار فيما بعد أستاذًا ثم وكيلاً لكلية الألسن بجامعة عين شمس.

 

5- وكان العصر هو عصر "النُّظار العظام" بحق؛ كان ناظر المدرسة شخصيةً ذات هيبة وعلم ومكانة وثقل في كل الأوساط, ولا يخاطَب إلا بـ"فلان بيه"، وأذكر من هؤلاء الأساتذة: السيد الخباطي, ومحمود الهجرسي, وأحمد السلكاوي, وإمام ناصف.

 

6- لم نكن نعرف في كل المراحل ما يسمَّى بالدروس الخصوصية, ولا حتى مجموعات التقوية المدرسية؛ فالعملية التعليمية كانت تسير في طريقها السوي الطبيعي السديد.

 

7- كان الشعور الجادّ الصادق بالمسئولية يسيطر على المدرِّسين, فيؤدون أعمالهم بإخلاص وحماسة, وامتدَّ هذا الشعور إلى الطلاب, فلم يكن هناك واقعاتُ غشٍّ إلا نادرًا.

 

8- كانت نتائج الامتحانات تمثيلاً صادقًا لقدرات الطلاب وتحصيلهم؛ لأن الأساتذة كانوا يلتزمون الدقَّة في "تصحيح أوراق الإجابة", زيادةً على إخلاصهم في العطاء والعمل.

 

9- كانت أيام الامتحانات بصفة عامة وامتحانات الشهادات الابتدائية والتوجيهية بصفة خاصة، تمضي كبقية الأيام، دون رهبةٍ أو "طوارئ" أو حرق أعصاب.

 

أما اليوم فلا نرى إلا النقيض تعليميًّا وتربويًّا، ومظاهر ذلك أكثر من أن تُعَد، ولكن كل الحقائق تشير إلى أننا كل يوم في انحدار مطَّرد، حتى فقدت مصر مكانتها في مجال التعليم العام والتعليم الجامعي، وسبقتها كثيرٌ من دول العالم الثالث؛ مما يترك في نفوسنا أسًى وحزنًا؛ لأننا نرى هذه الرسالة تسقط سقوطًا ذريعًا، ولا نجد من يهتم بالأمر، أو يعمل جادًّا على إيقاف هذا الانحدار.

 

وأخطر ما نراه الآن في ساحة التعليم أن نجد القائمين عليه يفسدون طبيعته التربوية والتعليمية والسلوكية والفكرية؛ بدفعه إلى أداء رسالة في النفاق الخسيس؛ مما يهدد أخلاقياتِنا ورصيدَنا العقدي بالخطر الماحق، ومن مظاهر ذلك ما يحدث في أمور الامتحانات:

 

ففي امتحان الصف الأول الثانوي في مادة التربية الفنية بمحافظة شمال سيناء مدرسة العريش الثانوية للبنين في امتحان نهاية الفصل الدراسي الثاني 2004/ 2005م، جاء سؤال التعبير الفني بالنص الآتي:

 

أولاً: التعبير الفني

تشهد الأيام القليلة القادمة منعطفًا خطيرًا في مصر للرؤية المستقبلية للشعب المصري لتحديد الأهداف والأولويات لتحسين حياة الفرد، (والرئيس حسني مبارك) قائد له تاريخ مستمر، واستطاع أن ينقل مصر نقلات حضارية في الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والزراعة والاستقرار والأمان، وحرص على عدم المساس بأصحاب الدخل المحدود، وسعى لتحسين أحوال المعيشة، ووضع خططًا خمسية متتالية لازدهار التنمية، وحرص على إقامة مدن جديدة ومشروعات ضخمة مثل: (توشكى- شرق العوينات- وترعة السلام) لرفع معيشة أبناء الوطن؛ فلا يحتاج الرئيس لدعاية انتخابية، والكل سيقول كلمته (نعم) يوم الانتخابات للرئيس مبارك.

 

عبِّر بقلمك وألوانك عن إحدى المشاهد التالية:

1- مشهد من مشاهد التأييد للرئيس مبارك في الشوارع أو داخل اللجنة الانتخابية.

2- مشهد من مشاهد الإصلاح والخدمات في مصر على يد الرئيس مبارك.

 

ثانيًا: التصميم الابتكاري

داخل مستطيل مساحة 30سم × 15سم.

- صمم شعارَ تأييد للرئيس مبارك في الانتخابات القادمة، مستخدمًا الرموز المناسبة.

- على أن تكتب عبارة "نعم لمبارك" داخل التصميم.. (استخدم الألوان التي تناسب الشعار).

 

ونمضي بعد ذلك بثلاث سنوات لنرى فضيحةً عاتيةً جديدةً من فضائح حكومة أحمد نظيف؛ إذ قامت الإدارة التعليمية بمنوف بمحافظة المنوفية بالدعاية والترويج لأفكار الحزب الوطني، وذلك من خلال (وضع سؤال إجباري في سؤال التعبير) بمادة اللغة العربية للصف الأول الإعدادي بامتحانات نصف العام، والذي عُقد يوم السبت الماضي؛ حيث كان نص السؤال: اكتب لأستاذك برقية تهنئة لفوزه بأمانة الحزب الوطني عن دائرته).

 

وقد استنكر النائب عبد الفتاح عيد عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ونائب دائرة منوف هذا التصرُّفَ، وقدَّم طلب إحاطة عاجلاً لرئيس مجلس الوزراء ولوزير التربية والتعليم.

 

مؤكدًا أن السؤال الموجود في الامتحان مكوَّن من فقرتين؛ هي (أ و ب)، والفقرة (ب) مقسَّمة إلى (1و2): الأول موضوع عن الحج، والثاني موضوع عن الرياضة، إلا أن واضع الامتحان أضاف كلمة (إجباري) في نهاية الفقرة الأولى (أ) حتى يُجبر التلاميذ على الكتابة عن الحزب الوطني بدلاً من الحج أو الرياضة، وكأن أهمية الحزب الوطني أهم عنده من الحج مثلاً، متسائلاً: ما فائدة الفقرة (ب) ما دام أن (أ) إجباري؟! أم هي من باب التجميل؟!

 

وتساءل عيد: هل ما حدث هو تعليمات (أمنية) تُملَى على الوزارة؟! أم هي من وحي أفكار كاتب الامتحان الإبداعية، كنوع من التملُّق والنفاق؛ ليترقَّى في السلَّم الوظيفي من خلال حزب الحكومة؟!

 

مشيرًا إلى أنه في كلتا الحالتين فإن السؤال يمثِّل سابقةً خطيرةً للإدارة التعليمية بمنوف، في أن تقحم نفسها للترويج لأفكار الحزب الوطني من خلال امتحان نصف العام، وخصوصًا في هذه المرحلة المتقدمة من التعليم (الصف الأول الإعدادي) بأن تقرِّر سؤالاً إجباريًّا (حزبيًّا سياسيًّا من الدرجة الأولى) في موضوع التعبير على التلاميذ (سن 12 عامًا).

 

وتساءل النائب: هل هذا دعاية انتخابية (مجانية) مبكرة لانتخابات المحليات المقبلة مهداة من الإدارة التعليمية بمنوف؟! وإذا كان هذا توجُّهًا جديدًا في الفكر الجديد بحكومة الحزب الوطني بأن تشغل فكر وعقل تلميذ في الثانية عشرة من عمره بالعمل السياسي والحزبي، فلماذا تمنع ممارسة السياسة على طلاب الجامعة؟! رغم أنه عمل مشروع بنص الدستور، وتتعقَّب الطلاب الذين ينتمون لتوجُّهات سياسية غير حزب الحكومة، ووصل بها الأمر- وبدون استحياء- إلى أن تشطب وتزوِّر الانتخابات الطلابية، وتختطف الطلاب من داخل الحرم الجامعي من خلال الأجهزة الأمنية، وتُحيلهم إلى المعتقلات، وتحرمهم من دخول الامتحانات، وتهدم مستقبلهم!!.

 

وربط عيد بين قيام مديرية الصحة بالمنوفية باستخدام القوافل الطبية الخاصة بوزارة الصحة للترويج للحزب الوطني وما حدث في الامتحان!!.

 

وأصبح الغش هو الأساس

وهذه حقيقة دامغة عرضَها موثَّقةً بالصور موقع الإخوان بمدينة المطرية- دقهلية لعمليات غش واسعة المدى، وكتب الموقع بتاريخ 19/1/2008م:

 

على سبيل المثال في لجنة مدرسة عبد المنعم سند الإعدادية، قام أغلب من كان خارج المدرسة، من أولياء الأمور والمدرِّسين وأشقاء الطلبة، سواءٌ الأولاد والبنات؛ بأخذ ورقة الأسئلة والقيام بالإجابة على الأسئلة عن طريق مدرِّس متخصِّص في مادة الامتحان، والقيام بتصوير أنموذج الإجابة وإدخاله للطلبة تحت مسمع ومرأى ومساعدة مراقبي اللجان.

 

وطريقة أخرى، وهي التي تكلمنا عنها في البداية، وهي المناداة بأعلى صوت بالإجابات من خارج المدرسة، وتكرار الإجابة لكي يقوم من تأخَّر في سماع الإجابة بتعويض ما فاته من خير!! وقام بعض الأولاد ممن لهم أقارب داخل اللجان بالقفز من على سور المدرسة لتوصيل الإجابات داخل اللجان!!.

 

والأسوأ هو ما قام به بعض الطلبة أنفسهم؛ إما بالذهاب لدورة المياه أو بالقفز على السور، وإحضار نماذج الإجابة المعدَّة بواسطة أولياء الأمور خارج المدرسة، كما قام بعض أولياء الأمور بالاتصال بمدرس متخصِّص في مادة الامتحان ليتأكَّد منه صواب الإجابات الموجودة لضمان نجاح الأولاد.

 

وفي حوارٍ مع أحد أولياء الأمور قال: "لو عيالنا ما غشوش مش هينجحوا"، وقال ولي أمر آخر: "العيال ما بيعرفوش يتملُّوا، فاحنا بنصور لهم الورق علشان ينقلوا الإجابة على طول ونريَّحهم", وقال آخر لرجل الأمن الموجود في المدرسة الذي حاول منع الغش، ولكنه للأسف لم يستطع: "يا عم إيه اللي جايبك هنا؟!.. روح اقعد لك على قهوة"!!.

 

وهناك سؤال يجب أن يُطرح: لماذا أولياء الأمور يقومون بإعطاء أولادهم دروسًا خصوصيةً خلال العام، وأثناء الامتحانات يساعدونهم في عملية الغش؟! أليس من الأولى أن يوفِّروا أموالهم طالما أنهم حريصون على أن يقوم أولادهم بغش الامتحان؟! وبذلك يتساوى من تعب وقام بالمذاكرة واجتهد مع من تواكل واعتمد على الغش.

 

أليس هذا ظلمًا للطالب المجتهد وإعطاء شيء لمن لا يستحقه؟!.. هذا هو حال التعليم الآن!!.
وربما يكون مبرر مراقبي اللجان ألا يتم تحويلهم للتحقيق إذا كانت نسبة النجاح قليلةً في مدارسهم, فتجنُّبًا للمساءلة يقومون بمساعدة الأهالي في عملية الغش!!.

 

وإذا وُجد مدرس يمنع عملية الغش ربما، بل أكيد، سيهاجَم من قِبل المراقبين الآخرين أو رئيس اللجان، ويكون هو الرجل السيئ؛ لأنه لا يريد مساعدة المحتاج لهذه الإجابات النموذجية المعدَّة والمبذول فيها جهدٌ جبارٌ لإنقاذ هؤلاء الطلبة الذين لم يبذلوا أي جهد لكي يستطيعوا أن يقوموا بالإجابة عن أسئلة الامتحان بأنفسهم وعدم التواكل على الغش!!، وكما في المثل الشعبي كان الغش "على عينك يا تاجر".

 

وما عرضه موقع الإخوان بالمطرية موثَّقًا بالصور لا يمثِّل الطريقة الوحيدة للغش؛ فهناك طريقة خسيسة يلجأ إليها كبار الشخصيات "الوطنية" في القرى المصرية؛ فنجد الشخصية الكبيرة يتقدَّم قُبيل الامتحان بتبليغ المسئولين بالتربية والتعليم بأن ابنه الذي سيؤدي الامتحان غدًا أصيب بانهيار صحي، ويطلب عقد لجنة خاصة له في المستشفى، ويتم ذلك، والباقي معروف مشهور؛ زيادةً على بيع الامتحانات، والتغاضي الكامل عن الغش في اللجان بين الطلاب، وتصوير الإجابات وتسليمها للطلاب لينقلوها أو ليفرغوها في أوراق الإجابة.

 

والنتيجة: انحدار، وسقوط، وضياع، وضعف مخزٍ في اللغة، ولعلنا قد قرأنا أن أحد طلاب الفرقة الثالثة بكلية جامعية، كتب طلبًا للمسئولين بالجامعة من عباراته: "وأنا أرجوكم أن تمنحوني (قردًا) بملبغ (مااة وخمسون) جنيه، (أسدوها) على (أقصاط) (مراحة)" وهو يقصد: "تمنحوني قرضًا بمبلغ مائة وخمسين جينهًا، أسددها على أقساط مريحة".

 

وا أسفاه!!.. لقد أصبح التعليم الآن يعانق النفاق والغش والتزوير، وهو في طريقه إلى الهاوية.

 

وأقول في النهاية: أيها السادة الذين ينادون بـ"جودة" التعليم، ويعقدون اللجان تلو اللجان، طبعًا مدفوعة الأجر، أقول لهم: لا تبحثوا عما سميتموه جودة التعليم، بل اسألوا أنفسكم أولاً: هل عندنا تعليم أم لا؟!

--------

* Komeha@Menanet.net