رحم الله أستاذنا الدكتور سناء أبو زيد الذي رحل عن دنيانا يوم الخميس 21 فبراير 2008م، كان نموذجَ الرجولة الحقة والعطاء لدعوة الله.
لقد رحل تاركًا في نفوس محبيه ومَن عايشوه معانيَ جليلة كانت لهم نبراسًا على طريق الله، كان مربيًا تجرَّد لدينه ودعوته، وصدق الله فصدقه الله أن توفاه وهو متمسك بشرائع دينه.
لقد أحبَّه الأعداء قبل الأصدقاء، وتربَّى على يديه كثيرٌ من الإخوان المسلمين، وعلَّم كثيرين كيف يكون الصبر على الظالمين، لقد كان- رحمه الله- نموذجًا راقيًا في حسن الخلق.
عرفته منذ أربع سنوات عندما انتقلت لأستقر للحياة هنا في الجيزة؛ فعندما التقيتُ معه أول مرة انتابتني رعشة لما سمعته عنه، لكني وجدته خيرًا من ذلك؛ فعندما وقفت أمامه كأنه شعر بما حدث لي فاحتضنني فأزال ما في قلبي من رجفةٍ وأخذ يحادثني ويسأل عن أخباري كأنه صديق قديم بالرغم من فارق السن والمقام بيننا، غير أنه كان يتعامل مع كلِّ من عايشهم بيد حانية وقلب طاهر ونفس زكية.
ورغم كونه جادًّا في معظم الأوقات إلا أنه كان يدير دفة الحديث بشيء من الترويح والمداعبة والقصائد الشعرية فيلطف الجلسة.
ذهب ليشارك أحد إخوانه الشباب حفلَ زفافه في الصيف الماضي، وقبل الصلاة جلس مع بعض الشباب ليستعيد- كما يصف- حيوية شبابه، وأخذ يحدِّثهم عن اعتقال الإخوان وتحويلهم إلى المحاكمات العسكرية، ثم قال مداعبًا: آن الأوان لسناء أبو زيد أن ينعم بهواء عليل ليرطِّب على قلبه المريض بعدما حصلت على تكييف "نص عمر وركّبته" في المنزل.
لحظات وأخذ يبكي ويحادث نفسه: "كيف تهنأ يا سناء بهواء عليل وإخوانك في لظى السجون؟! كيف تنعم وتنام بينما إخوانك على الأرض ينامون؟! كيف تحس بطعم الطعام وإخوانك خلف القضبان معذَّبون؟! كيف تهنأ بذلك؟!! ليتني كنت معهم فأنعم بما ينعمون من رضا الرحمن.. ليتني كنت معهم فأنعم بمعنى الأخوة الحقيقية"، ولم يصرفه عن هذه المناجاة إلا ما وجده من بكاء الشباب حوله وقدوم العريس إلى المسجد.
غير أن الرجل قد أتاه الله فطنةً؛ فما كادت تمر عدة أيام إلا وقد اعتُقل في لقاءٍ مع الدكتور عصام العريان والأستاذ السيد نزيلي والمهندس نبيل مقبل وغيرهم من الكرام.
رحمك الله يا أستاذي؛ فما زالت معاني التربية الحقة التي غرستها فينا تتجلَّى أمامنا، لقد افتقدتك حقًّا يا معلم دعوة الإخوان المسلمين، فما أشد حاجتنا إلى أمثالك في هذا الزمان الذي قلَّ فيه المربي الحق!! فما زلنا في حاجةٍ إليك- معلمي- لتربينا على معاني الفهم الصحيح للإسلام، وكيف يكون العمل لدعوة الله داخل الإخوان المسلمين؟، فما زلنا في أشد الحاجة إليك معلمي لتعلمنا معنى صفاء القلوب وطهارة النفوس.
فما زلنا في حاجةٍ إليك، غير أننا نحتسبك عند الله العليِّ الجليل.. نحتسبك ونسأل الله أن يرزق دعوتنا رجالاً أمثالك عرفوا معنى التربية الحقة.
زاره بعض الإخوة أثناء مرضه في بيته، فأخذ يحدثهم أن كثيرًا من شباب الإخوان أصبح يهمل الوقوف بين يدي الله في صلاة الفجر، وأخذ يحثُّهم على تربية الناس، على حب الله والعمل لله، والتجرد في كل شيء لله العليِّ القدير، فإذا حدث ذلك لم يرهب الإخوان ظالمين ولا طغاة متجبرين لتحصُّنهم بالله العليِّ القدير، وانتابته انفعالة وأخذ يشدد: "علموا شباب الإخوان كيف يكون الوقوف بين يدي الله في صلاة الفجر؟، وكيف تكون العزة في طاعة الله وحسن التربية والأخلاق؟"، ثم قال لأحدهم:" اكتب عني ذلك"، وأخذ يملي عليه شعرًا قال فيه:
قد أخذ الناس مواقعهم في صفوف صلاة الفجر
بعض الإخوان قد انقطعوا راضـين بأوهى العذر
فنهوضًا فورًا أحبابي والرب عفوٌّ ذو ستر
ودوامًا إنكم القدوة ترمقـكم أبصار الغَير
أقسمت يمينًا لن تجدوا في غير الطاعة من خير
رحم الله هذا المربي الذي سقانا معنى التربية بيد حانية.. رحم الله هذا المربي الذي حبَّبنا كثيرًا في دعوة الإخوان المسلمين.
رحمك الله يا معلمي.
---------