نقرأ في كتب التاريخ عن القضاء العادل وكيف كان صمام الأمان للمجتمع وخط الدفاع الأخير لحفظ بنية الدولة.. وكلنا أعجب بالقاضي العادل والصارم (شريح)عندما رفع الإمام علي- كرم الله وجهه- دعوى قضائية ضد مواطن يهودي يتهمه فيها بسرقة درعه، وكان علي آنذاك أميرًا للمؤمنين أي رئيسًا لأكبر دولة في الكون حينئذٍ.. ورفض القاضي الحازم شهادة سبط النبي الحسن بن علي؛ لأنه لا يؤخذ بشهادة أقارب الدرجة الأولى وعجز رئيس الدولة عن تقديم بينة تفيد دعواه فتم رفض الدعوى شكلاً وموضوعًا، وحكم القاضي بناءً على الوقائع المجردة بالدرع لليهودي رغم قناعته الداخلية بصدق الإمام وولده، ولكن القاعدة القانونية الحاكمة أن القاضي لا يحكم بعلمه بل بالوقائع والمستندات التي توافرت لديه، وبقية القصة يعرفها الناس أن اليهودي أعلن إسلامه وقد بهره هذا العدل الفذ، وأن الإمام أهداه الدرع فرحًا بإسلامه.
ويروي التاريخ كيف احترمت الدولة أحكام القضاء في سابقةٍ لم تحدث من قبل ولا من بعد عندما فتح المسلمون مدينة سمرقند وتم استقرار السلطة لهم فيها، فأرسل أهلها للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز مذكرةَ احتجاجٍ بأنَّ جيشَ المسلمين لم يتبع الإجراءاتِ المعمول بها قبل فتح البلاد، فلم يعرض على أهلها الإسلام أو الجزية أو القتال حسب المتبع في شريعة المسلمين، بل دخل الجيش عنوةً وبدون سابقِ إنذار أو إمهال للسكان ليتدبروا أمرهم ويقرروا مصيرهم.
ويرسل الخليفة العادل بقاضي تحقيقاتٍ ليتأكد من الوقائع ثم صدر الحكم التاريخي الفذ.. خروج الجيش المنتصر من البلاد التي تمَّ فتحها واتباع القواعد المعمول بها، وأعتقد أن هذا الحكم التاريخي سابقةً لم تتكرر على مرِّ الزمان بأن تحكم الدولة على جيشها المنتصر بالانسحاب بعد استقراره نزولاً على حكمٍ قضائي.
وفي عصرنا الحديث نقرأ عن ونستون تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية وقد أغار الألمان على لندن بالطائرات، وكانت وزارة الدفاع البريطانية رفعت دعوى لهدم بعض المباني السكنية القريبة من المطار لأنها تعوق إقلاع وهبوط الطائرات الحربية، ورفض القضاء البريطاني الدعوى بهدم المباني، ولجأت الوزارة لتشرشل؛ لأن الوضع استثنائي وظروف الحرب قد تضطر السلطات لاتخاذ بعض الإجراءات الاستثنائية، فقال الرجل قولته المشهورة أن تخسر إنجلترا الحرب أهون عندي من أن أمتنع عن تنفيذ حكمٍ قضائي أصدرته المحاكم البريطانية، وكسب ونستون تشرشل الحرب واحترمت السلطة العدالة والقانون.
وعندما وقف شارل ديجول على أطلال باريس بعد انسحاب الألمان ورأى الخراب يضرب بأطنابه في شارع (الشانزليزيه)، وشاهد حسرة الفرنسيين وانكسارهم بعد أن مرَّ هتلر بجيوشه المنتصرة تحت قوس النصر نكايةً فيهم.. فسأل ديجول من حوله كيف حال القضاء والجامعة؟ قالوا بخير. قال: فلا بأس.. يمكننا الآن إعادة بناء فرنسا طالما القضاء والجامعة ما زالا صامدين.
ومن هنا نُدرك أن القضاءَ العادلَ النزيه هو رمانة الميزان في المجتمع، وهو الحصن المنيع الذي يحفظ بناء الدولة.
وفي مصر عندما يختلف النظام مع خصمٍ سياسي ويعجز عن مواجهته في انتخاباتٍ نزيهة حرة يلجأ للتزوير أو الاعتقال أو إحالة الشرفاء للمحاكم العسكرية؛ هذه الإحالة التي تعد شهادة إنصافٍ للقضاء المصري المدني العادل، والذي يرفض الانصياع لأهواء السلطان ويبقى هو الملاذ الآمن للمظلوم والضعيف (باستثناء بعض الدوائر المستأنسة)؛ ولذلك فلا غرو أن يحاول النظام إفساد القضاء وقمعه بالدفع بكوادر جديدة ليست على المستوى المطلوب، والذي يضمن النزاهة والحيدة.
ونطالع في صحفنا هذه المأساة، بل الجريمة النكراء والتي ارتكبها وزير العدل ممدوح مرعي.. والقصة تبدأ عندما تقدَّم خريجو الحقوق للتعيين في النيابة الإدارية، وهي جهاز حساس يحاسب السلطة التنفيذية ويحد من سطوتها؛ ولذلك يتم اختيار رجالها باتباع قواعد صارمة وتحريات مشددة، وبعد عرض أوراق المتقدمين على لجنة القبول بهيئة النيابة الإدارية تم قبول 167 عضوًا اجتازوا قواعد القبول ورفضت اللجنة 48 شابًا بعد أن تحققت من الحكم على ذويهم في جرائم مخلة بالشرف، بل ثبت بعد تحليل عيناتٍ من دم المرفوضين أنهم مدمنون للمخدرات..!! فقام الوزير الهمام برفض قرار الهيئة وضم الثمانية والأربعين في كشفٍ وأجبر اللجنة يوم 29 يناير على الموافقة عليهم وإلحاقهم بالنيابة الإدارية، ثم قرر إيقاف الـ167 شابًا المقبولين وعدم تعيينهم حتى يتم تعيين هؤلاء المشبوهين أولاً وليحصلوا بذلك على أقدمية تجعلهم يسبقون الآخرين..!!
وهو يحاول هذه الأيام استصدار قرار جمهوري بهذا الشأن، وأعتقدُ أن هؤلاء الفتية المشبوهين والمرفوضين من اللجنة سيكونون هم النواة التي يُرسِّخ بها النظام ظلمه وعدوانه على قدسيةِ القضاء، ويقطع على الإخوان المسلمين الطريق عندما يطالبون بعرضهم على القاضي الطبيعي لمحاكمتهم إن كانوا مذنبين.. ويحضرني بيتًا من الشعر قاله أحدهم في علماء الأزهر ولكني أذكره بشيء من التصريف في حقِّ القضاة..
يا قضاةَ مصر يا ملح البلد مَن يُصلح الملحَ إذا الملح فسد؟
-----------
الزاهر- مكة المكرمة- Alaasaleh59@ hotmail.com