كانت مصر دائمًا ملتقى الهجرات من جميع ما حولها من البلاد والأمم، وكانت مجمع أصحاب الحاجات، ومأوى لكل طالب أمن وأمان فيها، ولعلنا نذكر مصر أيام الهكسوس عندما قصدها أبناء سيدنا يعقوب- عليه السلام- ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (يوسف: 88)، وتنتهي القصة بأن يحضر إلى مصر كل العائلة ليقيموا فيها ويدخلوها آمنين.

 

هذه هي مصر الكبيرة، المضيافة، وهذا هو دورها وقدرها قديمًا وحديثًا بإذن الله، ولا يجب أن تتخلَّى عن ذلك مهما كانت الظروف أو الضغوط.

 

لقد تعرَّض الفلسطينيون في غزة إلى حصار خانق طوال سبعة شهور تقريبًا، وكانت غزة أشبه بسجن كبير قُطعت عنها فيه كل مقومات الحياة من طعام وشراب ودواء، وأخيرًا الوقود والغاز والكهرباء، وكان ذلك كله وفق خطة محكَمة دبَّرها الاحتلال الصهيوني بصمت ومؤازرة ذوي القربى والجوار!!.

 

سكت الجميع عن هذه الجريمة البشعة، وكان الهدف من ذلك كله هو ضرب البنية التحتية للناس في غزة، ومن ثم ضرْب حماس في فلسطين؛ مما يؤدي إلى الرفض الشعبي لحماس في غزة، وتكوين قوة شعبية ضاغطة على حماس؛ تدفعها لترك الحكومة وتسليم القطاع للسلطة الفلسطينية التي يمثِّلها محمود عباس.

 

وحاول الكيان الصهيوني- حسب ما يذهب إليه الدكتور رفيق حبيب في جريدة "الدستور" يوم 3/2/2008- جعْلَ الخبز مقابل صواريخ القسام؛ بأن يُحرم الناس من المتطلبات الأساسية للحياة حتى تدفعهم إلى الضغط على حركة حماس لوقف الصواريخ التي تُطلق من قطاع غزة، واعتمد العدو الصهيوني على فكرة العقاب الجماعي للأهالي؛ نظرًا لانتخابهم حركةَ حماس في انتخابات المجلس التشريعي، والتي فازت فيها حركة حماس بالأغلبية في يناير 2006م.

 

وطبيعي أن الضغط يولِّد الانفجار، وأن هذا الحصار الظالم لا بد أن يكون له رد فعل قد يكون غيرَ محسوب ولا يخضع للعقل أو المنطق في أحيان كثيرة، وكانت "القشة" التي قصمت ظهر البعير كما يقولون؛ إذ سرعان ما قامت مسيرة نسائية عفوية- وأقولها صادقًا: "عفوية"- تلفت نظر الدنيا كلها إلى القهر والإذلال الذي يمارسه الكيان المحتل بمباركةٍ من السلطة الفلسطينية وسكون أغلب الأنظمة العربية، وترتَّب على ذلك اختراق الفلسطينيين للحدود والمعبر في رفح.

 

وأحسنت السلطات المصرية صنعًا؛ إذ سمحت لهذه الجموع المظلومة والمحاصرة أن تدخل أرض مصر (سيناء) لشراء حاجاتهم من الغذاء والدواء والغاز، ومُنعت قوات الأمن من التصدي للجموع الزاحفة التي ضاقت بالحصار الآثم، وتجاوب الناس في مصر وفي كل العالم العربي والإسلامي مع القرار السياسي العاقل والحكيم بأن مصر لن تسمح بتجويع الشعب الفلسطيني، وأشاد الجميع بهذه الخطوة، واعتبروها مؤشرًا جيدًا لحل قضية معبر رفح ونهايةً للمأساة التي عاشها أهل غزة، وأن هذا الحل يقوم على اعتبارات إنسانية واجتماعية، وضرورة إسقاط فكرة العقاب الجماعي لأهل غزة، وأن من حق هؤلاء الناس أن توفَّر لهم وسائل الحياة الأساسية ولا يُحرَمون من مقوِّمات الحياة الضرورية والإنسانية مهما طال الصراع السياسي أو العسكري، ومهما طال أمد المقاومة والممانعة للعدو الصهيوني في غزة أو الضفة.

 

وقامت في مصر- كما في كل البلاد العربية والإسلامية- مسيرات تندد بالحصار وتطالب بضرورة رفعه وفتح المعابر والمنافذ للشعب الفلسطيني، واعتبار أن ذلك حق أصيل لهذا الشعب المجاهد الصابر.

 

وبدأت حركة دائبة للتكافل مع المظلومين، وتوجَّهت إليهم الإمدادات حاملةً المواد الغذائية والطبية لإنقاذهم من عوامل الفناء والهلاك، وقوبلت هذه الموجات المؤيدة للمظلومين بشيء من القبول والمساندة والتفهُّم للمقاصد والمرامي.

 

ويذكر الأستاذ فهمي هويدي في مقاله (ملعوب سياسي معتبر) في الدستور يوم 4/2/2008م أن هذا الموقف الذي أراح الرأي العام العربي والإسلامي ما كان له أن يستمر طويلاً؛ إذ سرعان ما أصاب القوى المؤيدة للكيان الصهيوني- وخاصةً أمريكا- بغضب شديد؛ ذلك أن فتح الحدود بين غزة ومصر من شأنه أن يفشل "الطبخة" التي أعدتها أطراف كثيرة، ويعني أن الحصار لم تعد له قيمة ولا جدوى، كما يعني أن "الحصار سيؤدي إلى انفجار الناس ضد سلطة حماس في القطاع" لم يعد له محلٌّ.

 

ومن هنا نفهم لماذا تحوَّلت المواقف وقَلَبَ الإعلام في مصر النبرة واللغة أو قَلَبَ ظهر المِجَنِّ- كما يقول المثل العربي- وانبرى أصحاب الأقلام الكارهة للمقاومة بل الكارهة لكل عناصر الرجولة والصمود والثبات في هذه الأمة والمستسلمة للسلام الذليل والتهدئة الخائنة على حساب الحق والعرض والتاريخ والجغرافيا.

 

وفجأةً، تراجعت مصر عن فتح المعبر، واختفى شعار (لن نسمح بتجويع الفلسطينيين)، وتبنَّت الحملة الإعلامية المضادة شعارات الدفاع عن الأمن القومي والسيادة المصرية والتخويف من الفلسطينيين، وتسرَّبت أخبارٌ عن القبض على مجموعات من أهل غزة في بني سويف تحمل خرائط وأحزمة ناسفة دون أن يكون لذلك سندٌ من الواقع أو الحقيقة، وتم تسريب أخبار في اكتشاف خليتَين إرهابيتَين إلى سيناء للقيام بعمليات عسكرية ضد "الإسرائيليين"، وأبرزت الصحف القومية خبر قيام أحد الفلسطينيين برفع العلم الفلسطيني على أحد الأبنية الحكومية في الشيخ زويد، وظهرت تعليقات تحدَّثت عن الغزو الفلسطيني لمصر وتوطين الفلسطينيين في سيناء، ونُشرت ندوات تحدَّثت عن المؤامرة التي دفعت بجموع أهل غزة لتجاوز الحدود واحتلال أرض سيناء!!.

 

وعلى ذلك فقد تراجع خطاب الترحيب الذي تحدَّث عن رفض تجويع الفلسطينيين، وظهرت لغة جديدة تحمل خطاب التهديد والتخويف والتحريض التي حوَّلت مشاعر التضامن والتعاطف إلى مشاعر أخرى من التوجس والريبة والحذر والرفض والنفور.

 

وهذا الجو الملوَّث والكئيب دفع كثيرًا من الكتَّاب ورجال الإعلام المتعاطفين مع التطبيع أن ينفخ في النار ويشعل الحريق، بل ويصب عليه وقودًا لتظل النار مشتعلةً واللهيب مستمرًّا؛ لعله بذلك ينهي ما حقَّقته الحملة الإعلامية التي ناصرت أهل غزة، وانتصرت للحق، وجعلت قضية الحصار الظالم ذات أولوية تعلو كل شيء، وأنه لا مناصَ من فكِّه وإيجاد حلول قانونية وسياسية لإسقاطه.

 

إن ما يحدث على الساحة الإعلامية هذه الأيام يصيب المرء بنوعٍ من المرارة والضيق، ولولا إيماننا القوي بالله- عز وجل- وعدالة قضية فلسطين وصدق الرجال الذين يحملون عبء مقاومة المحتل، وأن الشعب الفلسطيني هو الذي يحمل أثقالاً وأثقالاً من الآلام والمآسي.. لولا ذلك لتسرَّب اليأس إلى النفوس، وأصاب القلوبَ شيءٌ من الوهن والضعف، ويأبى الله إلا أن يحدث ذلك؛ فما زال الخير في هذه الأمة، وستبقى روح المقاومة والممانعة باقيةً أبدًا إلى أن يتحقق نصر الله.

 

أقول.. ما هذا الغثاء العجيب الذي يصدر من أقلام الكثير من الكُتَّاب والصحفيين، ونذكر هنا بعضًا من الأمثلة التي تؤكد أن هذه الأقلام لا يمكن بأية حال أن تنتسب إلى العروبة ولا إلى الإسلام، إنما هي معاونة وخادمة لأجندات أخرى خارج نطاق الأمة الجغرافي والتاريخي.

 

1- في أهرام الخميس 7/2/2008م يذكر كاتب أن ما تنفذه حماس مؤامرة بكل مقياس، وجريمة تهبط إلى مستنقع الخيانة في حق الشعب الفلسطيني!!.

 

هل هذا كلام؟!! وهل المقاومة للمحتل الغاصب تعتبر هكذا مؤامرة؟!.. انظر إلى اختلال المقاييس وغبش الرؤية.

 

2- وكاتب آخر في نفس الجريدة ونفس اليوم يتحدَّث عن الذبيحة فلسطين، ويتهم "حماس" زورًا بأنها اختارت القتال لفك الحصار ضد جنود مصر، وهذا افتراء؛ فما سمعنا من قادة حماس إلا كل خيرٍ في حق مصر قيادةً وشعبًا، وفي عمود هذا الكاتب لا تقرأ إلا ما يؤذي العين ويتعب القلب مما حواه من كذب.

 

3- ورئيس تحرير جريدة قومية كبرى يكيل لحماس اتهامات تحت عنوان (أزمة معبر رفح وخطايا حماس)، ويكيل اتهامات غايةً في العجب لحركة حماس، وبدلاً من أن يكون منصفًا تراه يوجِّه أصابع الاتهام إلى الضحية وينسى الجلاد!!.

 

4- وكاتب له قدره واحترامه في جريدة "الدستور" يوم الثلاثاء 5/2/2008م اعتبر أن خروج أهل غزة من الحصار وهرولتهم لشراء ضرورات حياتهم من طعامٍ ودواءٍ وغاز من حرِّ مالهم يعتبر ذلك زحفًا وعدوانًا على السيادة المصرية وقداسة التراب المصري!!.. وما كان الأمر غزوًا ولا حربًا، وإنما كان فرصةً لإغاثة الملهوفين، ولم يكن مدبَّرًا كما يتخيَّل البعض، إنما هو نتيجة للحصار المجرم، فلما قيل لهم ارجعوا رجعوا.

 

5- وصوَّر البعض أن ما حدث هو غزو واحتلال لأرض سيناء، وهو إن كان كذلك فإنما يكون من تخطيط وتدبير الصهاينة والأمريكان، أما الإخوة في فلسطين- وبالأخص حركة حماس وجميع المرابطين في الأرض هناك- فلا يتطلعون إلى غير أرض فلسطين بديلاً، وهم مرتبطون بوطنهم وترابهم، ولا مطمحَ لهم في سيناء ولا غيرها، ولا يحبون تكرار مآسي اللاجئين منذ عام 1948م، ولسان حالهم يقول: "إما النصر أو الشهادة".

 

وكلام كثير من هذا القبيل يملأ الساحة؛ يتهمون "حماس" وكأنها هي العدو الأوحد، ونسي الجميع أن وجود المقاومة المتمثِّلة في حماس وغيرها من فصائل المقاومة إنما يمثل (من وجهة نظر إستراتيجية) الأمن القومي الحقيقي، وحائط الصد بالنسبة للحبيبة مصر، وليست حماس هي العدو، وإنما هم الصهاينة الذين لا حدودَ لأطماعهم وشرههم، ولكن ماذا نقول للمتحاملين جميعًا.. نقول كما قال الكاتب "فاروق جويدة" في أهرام الجمعة 8/2/2008م: (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت).