من حق كل ناخب أن يضع شعارًا لحملته الانتخابية وينجح هذا الشعار إذا توفَّر فيه السهولة والإيجاز، والصدق والجدية، والشمول والخصوصية، والعملية والموضوعية، والجاذبية والقبول، والجماهيرية والصدى السياسي والإعلامي، والمرجعية الفكرية أو الإيديولوجية والالتزام بالمبادئ الدستورية والقضائية، فإلى أي حدٍّ حقَّق شعار "الإسلام هو الحل" نجاحًا على الساحة المصرية في ظل الظروف السياسية المتدهورة والخوف الأمني الرهيب من نجاح أي اتجاه أمام السلطة بما يمثِّل ظاهرةً مرضيةً يطلق عليها الآن "فوبيا" الإسلام؟.

 

لقد ساعد الشعار المثقفين المنصفين, وفتح لهم الباب أمام المواجهات مع الفئة الضالة والمتطرفة التي ما أدَّى هجومها على شعار "الإسلام هو الحل" إلا إلى مزيدٍ من الاستفزاز لكل من يختزل الشعار في قناعته، فيتساءل بعضهم: لماذا يعلن الحزب الحاكم عن نفسه بأنه "الحزب الوطني"؟ هل يعني هذا أن بقية الأحزاب أو القوى السياسية الأخرى غير وطنية؟! أو اختيار مجموعة من الناس اسم "الأحرار" عنوانًا لحزبهم؟ هل يعني أن بقية أفراد المجتمع عبيد أو غير أحرار؟! فلماذا يعتبر أعداء "الإسلام هو الحل" أنه يعني أن الآخر كافر؟!.

 

يحمل شعار "الإسلام هو الحل" مضمونًا واسعًا في صياغةٍ بسيطةٍ، وهو مرتبط بما يفصِّله "شرع الله عز وجل"؛ فارتباطه بشكلٍ أساسي بالشريعة الإسلامية يجعل الشعار دستوريًّا جملةً وتفصيلاً، وعلى الرغم مما واجهه الشعار من سخرية بعض الإعلاميين إلا أنه صمد والتفَّ حوله الملتزمون وغير الملتزمين من المسلمين.

 

ومن ينادي بشعار "الإسلام هو الحل" إنما يبني شعاره على حتمية الاختلاف في الشرائع والملل، وهو من آيات الله لا يدركها إلا العالمون، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (المائدة: من الآية 48)؛ فالتزام المسلمين بشعار دينهم حق لهم جميعًا، وواجبٌ عليهم أن يعملوا به وإن لم يتخذوه شعارًا لهم.

 

وقد حسم الدين الإسلامي أمر حرية العبادة منذ نزول الرسالة على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ فـ"لكم دينكم ولي دين"، وأمَر المسلمين بالبر- وهو أعلى درجات الإحسان، وهو أيضًا حسن الخلق كما عرَّفه الرسول صلى الله عليه وسلم- لأهل الكتاب، وأمر بالقسط إليهم، قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).

 

وإذا اعتبرنا أن الشعار لم يخصص المسيحي أو المسلم في الحل المذكور فإنه يرفع عن المسيحي المنصف الحرج عند التجائه إلى الشريعة الإسلامية لحل مشكلاته وعند دعمه لأصحاب الشعار؛ فليس من العدل أن يحتكر المسلمون الإسلام لأنفسهم وقد بُعث الرسول للناس كافةً، وليس من العدل أن يُحرم الناس من حقِّهم فيه.

 

ويتهم البعضُ الإخوانَ باستخدام الدين لتحقيق مصالح سياسية شخصية؛ حيث لا يفهمون طبيعة الدين الإسلامي الذي يمثِّل منهجَ حياة، وهو أمر يختص به الإسلام كدين ورسالة تتسع لتشمل الناس جميعًا بالعدل، ويتسع ليشمل جميع مظاهر الحياة، ويتسع زمنيًّا ليتناسب مع تطورات البشرية.

 

لقد حقَّق الشعار شعبيةً قويةً منذ ميلاد شعار "الإسلام هو الحل" الذي رفعه التحالف الإسلامي، والذي ضمَّ- بجانب جماعة "الإخوان المسلمين"- حزبَي العمل والأحرار، وهو التحالف الذي أثمر عن 56 مقعدًا في البرلمان عام 1987م.

 

وقد كانت مشاركة التيار الإسلامي تحت لائحة التحالف الإسلامي مشاركةً جيدةً وفعَّالةً، وكان خوضها الانتخاباتِ تحت هذا الشعار بمثابة استفتاءٍ شعبي عام على اختيار الشعب للمنهج الإسلامي؛ بما رفع من أسهم الجماعة في الساحة السياسية والإعلامية، وأصبحت الجماعة تنطلق من قاعدةٍ شعبيةٍ ضخمة على مرأى ومسمع العالم أجمع، ولم يصبح لقول الحكومة: "الجماعة المحظورة" واقعًا إلا على النطاق الأمني والإعلامي الحكومي، ويدعم ذلك المادة الأولى من الدستور والتي تنصُّ على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة‏, وليس من حق أية جهة أن تحرم الشعب من التعبير عن نفسه واختيار الأصلح له، كما يدعم شعبية شعار "الإسلام هو الحل" المادة الثالثة من الدستور التي تنصُّ على أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور.

 

وإذا اعتدى الأمن على الشعب ومنعه من الإدلاء بصوته واختيار مرشحه، وإذا أُغلقت أبواب لجان الانتخاب أمام الشعب لعدم مشاركتهم في الانتخابات، وإذا ملئت الصناديق بأوراق مزيَّفة وتوقيعات ملفَّقة، وإذا تبدَّلت الأصوات لصالح الحكوميين، وإذا اعتُقل الصفوة من الشعب في السجون لحين إعلان النتائج أو لأجلٍ غير مسمى؛ فهذا ضربٌ في الدستور وسياسةٌ بلا قانون، ويدعم هذا المادة اثنتان وستون من الدستور والتي تنصُّ على أن "للمواطن حق الانتخاب وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقًا لأحكام القانون‏,‏ ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني‏".

 

لقد صَدَقَ أصحابُ الشعارِ معناه ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ (الأحزاب: من الآية 23)، ولم يثنيهم عن التمسك به كيد الظالمين ولا تقنين المقننين ولا اعتقالات رجال الأمن للآمنين ولا حبس الصالحين والمصلحين ولا تشويه سمعة الطاهرين بالتهم المستوردة من "مافيا" تجَّار المخدرات والمدمنين؛ فالتاجر الأمين ورجل الأعمال الصالح وأستاذ الجامعة اتُّهموا بغسيل الأموال، وعندما سأل أحدهم القاضيَ ردًّا على التهمة الموجَّهة إليه: كم من الأموال غسلت يا سيدي القاضي؟ فلم يجد القاضي إجابةً مجهزة لديه!!.

 

وكانوا جادِّين فيه عندما وضعوا وترجموا معناه في برنامجهم الانتخابي، فشمل معظم القضايا الحيوية الحقيقية وليست المصنوعة أو المفروضة من قِبل الجهات الدولية والتي تسعى الدولة لنشرها دون واقعٍ حقيقي لها، ومنها العنف ضد المرأة، في حين تمارس الدولة العنف ضد الشعب وحرية المرأة وتمكينها، في حين تسلب الدولة حق المرأة في الحصول على الأصوات التي صوَّتت لها؛ وذلك بطرق التزوير المعتمدة، وتعتقل زوجها وابنها وأباها وأخاها ظلمًا وعدوانًا ومخالفةً للقانون والدستور، وخرقًا لاتفاقات حقوق الإنسان؛ وذلك في الوقت الذي تثار فيه الدعاية للديمقراطية والحرية والمشاركة السياسية على النطاق السياسي والإعلامي الحكومي!!.

 

وعندما وُضع الشعار لم يوضع من فراغ، وإنما تواكب معه برنامج انتخابي إصلاحي شامل بدأ من الفرد والأسرة- وهو هنا انطلق من المرجعية الإسلامية والمرجعية السياسية والدستورية أيضًا، وهو يدعم ويعمل على تحقيق المادة التاسعة بحذافيرها، والتي تنصُّ على أن "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية"- ويقف بحزم ضد التيارات المعادية للقيم الأسرية الأصيلة، والتي تنادي بها الأمم المتحدة، ومنها اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة بالسيداو؛ ولهذا فإن شعار "الإسلام هو الحل" يعمل بكفاءة على المادة الحادية عشرة من الدستور، والتي تنص على أن "تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلالٍ بأحكام الشريعة الإسلامية".

 

وعندما يؤكد الإسلام القيمَ الخلقية النبيلة، والتي نشأ عليها الإسلام وجاء رسول البشرية ليتممها، وعندما تقوم المادة الثانية عشرة من الدستور المصري على أن "يلتزم المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها‏,‏ والتمكين للتقاليد المصرية الأصيلة‏,‏ وعليه مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية والقيم الخلقية والوطنية‏,‏ والتراث التاريخي للشعب‏,‏ والحقائق العلمية‏,‏ والآداب العامة‏؛‏ وذلك في حدود القانون‏"؛ ‏فإن شعار "الإسلام هو الحل" يمثِّل الترجمة الحرفية لهذه المادة الدستورية؛ فمَنْ غير الإسلام يستطيع أن يرعى الأخلاق ويحميَها في ظل تطور تكنولوجيا الاتصال الحديثة وانعدام المراقبة على الاستخدام؟! مَنْ غير الإسلام يستطيع أن يعلِّم الناس المراقبة لله- عزَّ وجل- منذ الصغر ومحاسبة النفس ومراقبة الأعضاء؟!.

 

لقد اعترف ضابط أمن أنه يطمأن على أولاده في مدارس الإخوان المسلمين، وذكر آخر عند اقتحامه لمنزل إخواني وإحرازه لكتب التربية لديه أن الإخوان هم أجدر الناس على القيام بهذه المهمة التربوية.. وهذا عيبهم!!.

 

وكيف يحاسب أصحاب شعار "الإسلام هو الحل" في دولةٍ تعتبر التربية الدينية مادةً أساسيةً في مناهج التعليم العام، كما تنص عليها المادة التاسعة عشرة من الدستور المصري؟!.
إن أصحاب هذا الشعار يعملون به داخل بيوتهم، ويجعلونه نشاطًا أساسيًّا للطفل في الإجازة الصيفية لتعويض فشل الدولة في تحقيق هذه المادة الدستورية وإهمالها المنظَّم والمتعمَّد شكلاً ومضمونًا.

 

ونجح الشعار في الالتزام بمبادئ الدستور المصري الذي يؤكد على المرجعية الإسلامية من خلال اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية المصدرَ الرئيسيَّ للتشريع؛ وهو ما يعطي حقوقَ المواطنة بلا تعطيل أو تأجيل، وهو ما أيَّدته وحكمت به وحسمته محكمة القضاء الإداري التي أصدرت أكثر من حكم قضائي نهائي يؤكد أن هذا الشعار يتفق مع أحكام المادة الثانية من الدستور الحالي؛ مما دعا البعض إلى اقتراحٍ ساخرٍ للشعار بإمكانية تغييره إلى "المادة الثانية من الدستور هي الحل"!!.

 

وعندما تفصَّل مادة في الدستور على غير المقاس فإنها إما أن تظهر كبيرةً أو صغيرةً أو مشوَّهةً، والكلام هنا عن المادة الخامسة التي تنص على أن "يقوم النظام السياسي في جمهورية مصر العربية على أساس تعدد الأحزاب؛ وذلك في إطار المقوِّمات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري المنصوص عليها في الدستور"، وبعد أن يقر في هذه الجملة اعتبار المبادئ الأساسية للدستور- ومنها المادة الثانية التي تنص على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"- إطارًا للنظام السياسي في مصر، يضيف فقرةً في نفس المادة المشوَّهة تنص على أنه "لا تجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أية مرجعية أو أساس ديني"، وكأن النظام السياسي في مصر منفصل عن باقي مواد الدستور، فتصبح المادة في فقراتها متعارضةً مع بعضها البعض، وعند التجاء الحكومة إلى محاكمة رافعي شعار "الإسلام هو الحل"، فهذا الأمر غير دستوري، حتى بعد إضافة هذه المادة المتناقضة؛ فالنظام السياسي في مصر لا يجب أن يعمل بمعزلٍ عن الأطر الدستورية والتشريعية المنصوص عليها في الدستور المصري.

 

فكم من حقوق انتهكت؟! وكم من قوانين عُطِّلت؟! وكم من سلطات استُغلَّت؟! فهل يستحق أصحاب الإسلام هو الحل أن تُنتَهك حرمة مساكنهم (المادة 44)، وتُفتَّش وتسرق أموالهم، ويُفتَرى عليهم، وتُشوَّه سمعتهم بالاتهامات الباطلة وتلفيق الدعاوى الكاذبة؟!!.

 

أليست الحرية الشخصية حقًّا طبيعيًّا؟! (مادة 41) أليست حرية الرأي مكفولةً، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البنَّاء ضمانًا لسلامة البناء الوطني؟! (مادة 47).

 

أليس للمواطنين حق الاجتماع الخاص في هدوء غير حاملين سلاحًا ودون حاجة إلى إخطار سابق، ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة، والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة في حدود القانون؟! (مادة 54).

 

أليس كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمةً لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضًا عادلاً لمَن وقع عليه الاعتداء؟! (مادة 57).

 

فأيٌّ من هذه المواد الدستورية تحقِّقه الدولة؟! وهل الدولة مستعدة للتعويض؟! هل لديها حصر بالانتهاكات لدستور الدولة؟! أم تنتظر جمعيات حقوق الإنسان لتحصيها لها؟! ومن سيحاكم الجلاَّد؟!.

 

لعله يمثِّل عبئًا كبيرًا على رئيس الدولة- والذي "هو رئيس الجمهورية‏,‏ ويسهر على تأكيد سيادة الشعب‏,‏ وعلى احترام الدستور‏,‏ وسيادة القانون‏,‏ وحماية الوحدة الوطنية‏,‏ والعدالة الاجتماعية‏,‏ ويرعى الحدود بين السلطات لضمان تأدية دورها في العمل الوطني (المادة 73)- وعليه عبء آخر هو البر بالقسم (المادة 79).

 

"أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن احترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعايةً كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه".

------------

* مدرس الإعلام وفنون الاتصال.