من المفترض أن يبتعد الإعلام عن أي استقطابٍ يدور في أي مجتمعٍ ويكتفي بمهمته الأساسية، وهي كشف الحقيقة، إلا أن الواقع غير ذلك تمامًا!!.

 

رغم ذلك جاءت توصيات وزراء الإعلام العرب الأخيرة بخصوص ضوابط الفضائيات لتؤكد أن هناك اتفاقًا على إخفاء الحقائق وتزييف الواقع!!.

 

(1)

عندما أطلَّت القنوات الفضائية الإخبارية التي تتمتع بقدرٍ من الاستقلالية على مشاهديها منذ سنوات للمرة الأولى أحدثت صدمةً على كل المستويات؛ بدءًا من المتلقي القابع في كهوف الإعلام العربي الرسمي المظلمة، مرورًا بدوائر صنع القرار، بل تعدَّت الصدمة الواقع العربي لتحلَّ القنوات ضيفًا ثقيلاً على الغرب أيضًا بكل مستوياته؛ فللمرة الأولى يجدون أنفسهم مرغمين على النقل من فضائيات عربية خرجت عن طور التبعية المزمنة لسبقٍ يراه الكثيرون مذهلاً بحق.

 

نفس الأمر حدث مع الصحف المستقلة، وإن كانت الاستقلالية تبقى في مجملها نسبيةً؛ فلا (مطلق) في العمل الإعلامي.

 

المهم.. تحطَّمت أساطير الكم والكيف، وأدركنا أن العالم أصبح بمثابة قرية صغيرة، متخلفين في فهمنا هذا عن الآخرين عقودًا عدة.

 

(2)

السلطة في العالم الثالث كان من المفترض أن تساير هذه التغيرات، لكن هذا لم يحدث؛ ترهلات كثيرة أصابتها، حتى أبناء الملوك والرؤساء الذين تسلَّموا الحكم بعد أن أحكم القدر قضاءه وهم في ريعان الشباب تسلَّموا الموروث بمثالبه وتسمماته؛ هرمًا غلبه المشيب، ثوبًا فضفاضًا بلا ملامح أو محددات.. هنا الإعلام أصبح يمثل مشكلةً لأنظمة الحكم في ترددها بين الأصالة والحداثة, وبعد جهدٍ قليلٍ اتضحت الصورة: أن انفراجةً في مجال الحريات لن تكون في صالح الأنظمة التي لم تترك فرصةً إلا ونقلت للغرب مخاوفها.

 

(3)

كانت لحظة الذروة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث حدث استقطاب حادٌّ بين العالمَين العربي والغربي انحازت فيه الحكومات العربية العتيقة إلى المعسكر الآخر بسفورٍ تُحسد عليه، وتركت الشعوب تعاني فداحة الضريبة!!.

 

الإعلام- كباقي كل شيء- دفع الثمن غاليًا؛ حيث دفعت عمولات بسخاء لشراء أقلام وأبواق وأفواه كثيرة، وأصبح هناك ما يشبه الرتب العسكرية يتقدَّمهم جنرالات لا تفرِّق وقتها بين إن كنت تنعم في بيتك أمام وسيلة إعلام أو أنك في الميدان تستمع لبياناتٍ عسكرية تزعم وحدها امتلاك الحقيقة؛ تدافع على الأنظمة بأقلامٍ كالسيوف وكلمات كالقذائف، ينحتون الأكاذيب ويغزلونها رغم أن الصور في مؤخرة الكادر تفضحهم؛ قضاة لا رادَّ لرؤيتهم ولا مؤخِّرَ لأحكامهم.

 

(4)

باقي القصة أن الباقين يحاربون طواحين الهواء, مسَيَّسِين ومحايدين، تدور بينهم الفتن دومًا، ينحرفون أو يصمدون أحيانًا، ويُصادر ويُغيَّب أحيانًا أخرى الكثيرون الذين تقع على كاهلهم معاناة كشف الحقيقة، على الأخص ما يتعلَّق منها بالوضع الحقوقي لأنظمة لا تدرك من معاني حقوق الإنسان سوى شعارات، ويتوقف تعاطيها مع الملف على رغبة واشنطن أو حالتها المزاجية.

 

(5)

إن الموضوعية والحيادية والاحتراف هي كلمة السر للإعلام الناجح، فهي مرآة واقعنا المؤلم الذي يشبه طائرةً منكوبةً لم يُعثر على صندوقها الأسود بعد؛ حيث الكثير من الأسرار والمآسي, ملفات ربما لم تتجاوزها "الميديا" بعد بقصد أو دون قصد، جزئيًّا أو كليًّا, لكن هذه المطالب غاية في الخطورة، وتتطلَّب تعاملاً جديًّا وحازمًا من كل الوسائل الإعلامية؛ حمايةً لمنابرها وتفعيلاً لدورها في كشف الحقائق بعيدًا عن المواربة أو التخويف.

 

كبد الحقيقة من المفترض أن يكون شعار المرحلة وإلا ستختفي الحقائق وراء "ميديا" الأنظمة برعونتها في سجون حضرة صاحب الفخامة والجلالة والسمو؛ حيث المقابلات والمراسلات وربما الشطحات؛ حيث عالم الوردية والخيال بالقرب من عالم الحقيقة والواقع، ولو وُضعت الضوابط وقُنِّنت القيود.