إن ما يحدث للمسلمين في مختلف بقاع الأرض؛ من مجازر وحشية وإهانات وتجاوزات، لهُوَ مما يندى لها تاريخ البشرية خجلاً وعارًا، وما تتعرض له ثوابت الأمة ومقدساتها، من محوٍ وتشويهٍ، يستوجب على شعوب هذه الأمة وأفرادها أن يستوقفوا أنفسهم ويراجعوا أحوالهم، ولنتجاوز قليلاً عن تخاذل الحكام وفساد الأنظمة فهؤلاء ينطبق عليهم قول القائل:
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي
إذًا فلينصرف اهتمامُنا إلى مَن لا زلنا نأمل أنهم فيهم عرق ينبض بالحياة والحياء معًا، ونتساءل بكل صدق مع النفس: هل علينا نحن الشعوب الإسلامية- أفرادًا وجماعاتٍ- مسئوليةٌ مباشرةٌ أو غيرُ مباشرة فيما يحدث لشعوبنا الإسلامية؟!
إن الإجابة إن خرجت من قلب- أي قلب- يصدق في تأمل نفسه، ويتبصَّر في عيوبها وأحوالها ستكون وبأعلى الصوت: بل إننا سببٌ مباشرٌ فيما يحدث على أرض الإسلام، من أهوال عظام، وخطوب جسام، فالباطل وجنوده لا يتورَّمون ويتضخَّم باطلهم إلا إذا خفت صوت الحق وتقازم أتباعه، فما بالنا نمتلك بين أيدينا الحق الأغرّ والمنهج الأقوام بشهادة أعدائه وأتباعه، وترتفع فوقنا أممٌ مبتورةٌ لا حظَّ لها من تاريخ مجيد أو قيم سامية.. أمم أقامت حضارتها الزائفة على أنقاض الأمم وأشلاء الخلائق؟!
ثقافة التبذير وخطورتها
إن تأمل النسيج الداخلي للأمة الإسلامية يجيب عن هذا التساؤل المرير؛ فنحن الآن أمة غرقت في الشهوات والماديات بصورة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، رغم الفقر المدقع الذي تعانيه غالبية شعوب هذه الأمة، انظر مثلاً إلى الأعداد الهائلة التي تستخدم التليفون المحمول: كم منها تستخدمه في تحقيق مصالح حقيقية؛ سوف تجدهم قلة قليلة، بينما الملايين ينفقون المليارات حينما يستخدمون هذا الجهاز في ثرثرات وتفاهات فارغة لا قيمة لها، وماذا لو رُشِّدت هذه الأموال واستُخدمت في بناء الأمة ومساعدة منكوبيها وفقرائها وما أكثرهم!! وهذا مثال فقط من أمثلة السَّفَه في الإنفاق والإغراق في الشهوات والأهواء، وتأمل ما خلَّفته هذه الماديات والشهوات، من ثقافات مدمرة وتصورات خاطئة، لعل أهم ملامحها ثقافة النظر تحت القدم، فنجد أصحابها لا تتعدى اهتماماتهم وتطلّعاتهم أكثر من توفير مسكن يشمل جميع الكماليات، ومطعم شهي، وشغل الأوقات بتوافه الأمور، بينما لا تهتز لديهم شعرةٌ مما يحدث من جرائم جسام لإخوان لهم في بقاع الأرض، فضلاً عن عدم إحاطتهم أصلاً بهذه الأحداث.
ثقافة السلبية وآثارها
ومن أهم ملامح هذه الثقافات أيضًا ثقافة السلبية القاتلة، التي جعلت قطاعات عريضة من شعوبنا المقهورة مكتوفة الأيدي، وهي ترى حقوقها تُسلب، وأقواتها تُسرق، وكرامتها تهان، وهي ترضخ وتتأقلم، وذلك إما يأسًا منها، أو إذعانًا لعدوها، أو خوفًا على أرزاقها وأجلها.
وواقع الدعوة أيضًا
أما المتديِّنون أو حمَلة الدعوات والرسالات، وهم الفئة المأمول منها والمنوط بها حمل لواء التغيُّر والإصلاح، فنجد أن الكثير منهم يتحوَّلون في كثير من الأحيان إلى معاول هدم وعوامل سقوط في معارك الإصلاح، فبرز منهم أصحاب أُفُق ضيق وفقه سقيم لهذا الدين وواقع المسلمين وحاجاتهم، يقول عنهم الشيخ الغزالي رحمه الله: "والخطورة تجيء من أنصاف متعلمين أو أنصاف متدينين، يعلو الآن نقيقهم في الليل المخيّم على العالم الإسلامي، ويعتمد أعداء الإسلام في أوربا وأمريكا على ضحالة فكرهم في إخماد صحوة جديدة لديننا المكافح المثخن بالجراح".
وأمثال هؤلاء بدلاً من أن يوجِّهوا جهودهم على وفرتها إلى معركة الإصلاح وتوعية الناس بقضايا الإسلام والمسلمين، نجدها تنصرف إلى حوارات سقيمة واختلافات مذمومة، والأخطر والأشد إيلامًا للنفس أن يركِّز البعض منهم جهوده في التشنيع على بعض الدعاة والمصلحين، فنراهم يتتبعون سقطاتهم ومواضع سهوهم ويعبِّئونها في أشرطة و"أسطوانات" مشبوهة وكتب رخيصة ويوزِّعونها على عامة الناس، الذين لا يجيد بعضهم أداء العبادات الأساسية؛ فيشيعون الفتن وينشرون القلاقل ولو وجّهوا رغباتهم المحمومة هذه إلى تأليف القلوب وإنارة العقول لكان خيرًا وأقوم قيلاً، ولكن أنَّى لهم وهم أصحاب ضمائر مظلمة وقلوب مغلقة؟!.
الطريق إلى الخلاص
إن هذا- بدون تهويل ولا إسراف- هو بعض حال الأمة الذي يشهد به الواقع الأليم، والذي أثبتت الأيام والتجارب أنه لا فكاك منه إلا بالعودة إلى طريق الله وإحسان الصلة به، وهو الطريق الذي يوجب على سالكيه مكافحة الفساد والطغيان والعمل الجادّ والمتواصل على تحجيمهما وإفساح المجال لدعاة الأمة من أصحاب الفقه المستنير ومُصلحيها من أصحاب الفكر القويم ومثقّفيها وكافة فئاتها وطوائفها للعمل على إعادة صياغة النسيج الاجتماعي والثقافي والفكري لهذه الأمة المكلومة؛ لكي تنهض من كبوتها، وتصحو من سباتا، وتمدَّ يد العون لرعاياها المحاصرين والمشردين في أنحاء الأرض، وتضرب بقبضة من حديد على أيدي هؤلاء المتجبِّرين من الصهاينة وغيرهم، والذين لم يعيثوا في بلادنا فسادًا وإفسادًا إلا ليقينهم التامّ بأن الاستسلام المشين للمحكومين، والتخاذل المريب للحكام الذين فقدوا كل شيء حتى بيانات الشجب والاستنكار!!.
-------