بعد أن أحرز اللاعب المصري أبو تريكة هدفًا في فريق السودان هروَل للجماهير فرِحًا، ورفع "فانلته" وشاهدت الملايين "فانلته الداخلية" وقد كُتِبَ عليها باللغتين العربية والإنجليزية (تعاطفًا مع غزة)، وقد نال اللاعب البطل إنذارًا من حكَم المباراة لمخالفته لوائح اتحاد الكرة؛ لأنه استخدم شعارات دينية وسياسية!!.
سوف تنتهي الدورة بخيرها وشرها، وسيفوز فيها مَن يفوز، ويخسر مَن يخسر، ولكن الناس لن تنسى أبدًا مبادرةَ هذا البطل الجسور، الذي أتى ما أتى وهو يعلم أنه مهدَّد بالوقف أو الشطب، ولكن الأمر جلَل، وقد فاز اللاعب بالبطولة الحقيقية وكسَب كأسًا عزيزًا؛ وهو حب واحترام الناس عامةً والعرب خاصةً والذين دافعوا عن تصرُّفه؛ عندما قالت فرق تونس والمغرب والجزائر: إن اللاعب المصري أبو تريكة تحدَّث بلساننا جميعًا، وقال ما في قلوبنا جميعًا.
إن هذا التصرف البسيط يُقيم الحجَّة علينا جميعًا، لو بحث أيٌّ منا عن وسيلةٍ يُساند بها قضايا المسلمين العادلة، وفي القلب منها فلسطين والعراق، لن يعدم حيلةً إن شاء الله.
إن أحداث التاريخ الجسيمة يقف من ورائها دائمًا حدثٌ قد يراه الناس متواضعًا وهو عند الله عظيم، ولقد كنتُ أتحدث مع بعض الإخوة الكرام، وظللنا نسرد عشرات الأمثلة من المبادرات البسيطة، والتي حققت نتائج مذهلة؛ لأنها كانت مبادرات مخلصة وفي وقتها.
مصر المسلمة والتي فتحها سِواكٌ!!
كان المسلمون بقيادة عمرو بن العاص يحاصرون حصن بابليون بمصر القديمة، وطال الحصار عدةَ شهور وتأخَّر النصر، وهنا وقف الصحابي الجليل المُبشَّر بالجنة الزبير بن العوام- رضي الله عنه- وقال للمسلمين: إن تأخُّر النصر سببه أننا تركنا هديًا من هدي رسولنا- صلى الله عليه وسلم- وفتَّش الناس عمَّا تركوا، فقال البعض: ربما تركُنا للسِواكِ يكون السبب؛ لأننا بعد وصولنا للنيل أصبحنا نتمضمض من مائه وتركنا السواك، وهنا أخرج كل جندي سواكًا وبدأ في تنظيفِ أسنانه، وكان جند الروم يراقبون الجيش المسلم من فوقِ أبراج الحصن، فألقى الله في قلوبهم الرعب، وسارت شائعةٌ في أوساطِ الروم أن المسلمين يسنُّون أسنانهم ليأكلونا، ففرُّوا من الحصن مذعورين، ودخلت مصر عصر الإسلام، وآمن بالله الملايين من أهل مصر طوال ألف وأربعمائة سنة؛ يركعون لله ويسجدون هم وأبناؤهم وأحفادهم، وكان السواك من جندِ الله والتي لا يعلمها إلا هو.
قلنسوة قطز التي دحرت طوفان التتار!!
عندما تقرأ أحداث موقعة عين جالوت، والتي نصر الله فيها جند مصر المسلمة وتمكَّنوا بفضله تعالى من وقفِ زحف التتار، والذي دمَّر الأخضر واليابس، وأوشك أن يدمِّر حضارة وتاريخ البشرية كلها، سوف تطالع بداية المعركة وقد انقضَّ التتار بشراسةٍ وعنفٍ على جيشِ المسلمين، وقد انكسر فعلاً الجناح الأيسر من الجيش، وبدأ بعض المسلمين في الفرار، وهنا قام البطل محمود قطز، سلطان المسلمين الزاهد، وخلع قلنسوته وألقى بها وهو يصرخ بترنيمته الآسرة والخالدة "وا إسلاماه.. وا محمداه".
ولما شاهد الجند قائدهم وهو يخترق جيش التتار وقد خلع قلنسوته وكأنه يطلب الشهادة ويقول "وعجلت إليك ربِّ لترضى"، انتفض الجندُ وكرُّوا على أعداءِ الإسلام والبشرية وهم يكبِّرون ويهلِّلون وترتفع عقيرتهم بالنداء الحاني "وا إسلاماه"، فكان لهم النصر وتغيَّر وجه التاريخ كله عندما خلع قطز قلنسوته.
النفقة الصغيرة وأثرها الكبير
يروي لنا التاريخ قصة تلك المرأة الفقيرة، والتي علمت أن جيش المسلمين يعدُّ العُدَّةَ للخروج، ولم تكن تملك من حطام الدنيا شروى نقير، ولكنها لم تعدم الحيلة لتشارك في إعداد الجيش، فقامت المرأة بقصِّ ضفيرةِ شعرها الغزير، وهي الشيء الوحيد الذي تملكه وأعطته لولدها الشاب الصغير ومعه رسالة لقائد الجيش تقول فيها: "إني لا أملك شيئًا من الدنيا إلا ولدي الشاب وضفيرتي، فاقبل ولدي جنديًّا معك، واجعل ضفيرتي قيدًا لفرسٍ من خيولِ الله.. وجمع القائدُ جيشَه وقرأ عليهم الرسالة الصادقة المخلصة، وأجهش الجندُ بالبكاءِ، ودبَّت فيهم رُوح الفِداءِ والبذل.
إنَّ تاريخنا الحافل يعجُّ بمثل هذا القصص، والذي يؤكد أن المبادرات وإن كانت متواضعةً والبذل وإن كان بسيطًا فإن حركةَ التاريخ كلها قد تتغير لإخلاص الباذلِ وصدق المنفق، ولو لم يكن أمام أبو تريكة إلا خلع فانلته، ولم يكن أمام قطز إلا إلقاءِ قلنسوته، فاخلعوا ملابسكم وألقوا بتريثكم، ولا تأبهوا بمحاذيركم، وليكن شعارنا ما قاله المجاهد وقد انفضَّ عنه القوم:
إن كنت صفر اليد من أعواني * فلقد دفعت بكل ما ملكت يدي
--------------
* الزاهر- مكة المكرمة/ Alaasaleh59@hotmail.com