أ. د. حسين شحاتة

لم تكن هجرة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- والذي آمنوا معه من أجل الفرار بالمال أو الهروب من الجهاد، أو الفرار من مضايقات أعداء الدعوة الإسلامية، لكنها كانت جهادًا وتضحيةً من أجل بناء الدولة الإسلامية على أساس الأخوة الصادقة القوية، ولتطبيق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
كانت رحلة الهجرة الشريفة كذلك من أجل نشر الإسلام والدعوة إليه، وتحقيق العزة للمسلمين من خلال الجهاد.
لقد تحققت هذه الغايات، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في الدين الإسلامي أفواجًا، فالله أكبر ولله الحمد.
وتتضمن الهجرة معالم شتى من نماذج التضحية العزيزة ومن الأخوة الصادقة التي قامت عليها دولة الإسلام، يجب إبرازها للاستفادة منها في حياتنا بعد أن أصاب العديدَ من المسلمين الوهنُ والأنانيةُ، وضعفت رابطة الأخوة والود.
وسوف نُركِّز في هذه الخاطرة حول محورَيْن رئيسيَيْن، هما: معالم التضحية والفداء، ثم معالم الأخوة والإيثار ودورهما في بناء الدولية الإسلامية.
أولاً: معالم التضحية والفداء في الهجرة النبوية
النصر يحتاج إلى جهاد، والجهاد هو التضحية بكل شيءٍ لجعل كلمة الكافرين هي السفلى، وكلمةُ الله هي العليا قولاً وفعلاً.
والجهاد يحتاج إلى تضحية، ولا جهادَ بلا تضحية، ولا نصرَ بلا جهاد، وفي حادث الهجرة نماذجُ مشرفةٌ من التضحية نسوق منها النماذج الآتية:
1- نموذج تضحية أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- بالمال والنفس من أجل طاعة الله والهجرة مع رسول الله، واحتمالات تعرُّضه لكل أنواع الأذى والمخاطر في نفسه وفي أهله وفي أولاده، ومن ذلك يجب على العاملين في حقل الدعوة الإسلامية أن لا يبخلوا على دعوة الله بكل عزيزٍ لديهم؛ حتى يكونوا صادقين مع الله الذي خلقهم ورزقهم واختارهم لدعوته، وهذا شرف عظيم.
2- نموذج تضحية علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بأن ينام في فراش النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وتعرُّضه للموت من أعداء الدين.
3- نموذج تضحية أسماء بنت أبي بكر، وهي تحمل طعام إلى رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وإلى أبيها وتعرُّضها لإيذاء الكفار والمشركين، وفي هذا النموذج دروسٌ للأخوات المسلمات العاملات في الدعوة، وبيانُ دوْرها المهم.. تنال شرفَ التضحية من أجل دعم المجاهدين في سبيل الله.
4- نموذج تضحية عبد الله بن أبي بكر وهو يحمل المعلومات إلى رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وإلى والده في الغار، وتعرُّضه لإيذاء الكفار، ونرى من هذا النموذج بيان أهمية المعلومات عن الأعداء في نصر دعوة الله.
5- نموذج تضحية الذين هاجروا قبل رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وتركوا كل شيء، وقال لهم الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "ربح البيع"، ونزل فيهم قول الله- تبارك وتعالى- ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)﴾ (سورة البقرة).
6- نموذج تضحية الأنصار بمالهم لنصرة إخوانهم المجاهدين في سبيل الله، وفيهم نزل قول الله- تبارك وتعالى-: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8)﴾ (سورة الحشر).
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (سورة التوبة).
من هذه النماذج نخلص إلى أن أبناء الدولة الإسلامية يحتاج إلى جهادٍ من جديد، وهذا الجهاد لا بد له من تضحيةٍ بكل عزيز، ولا يمكن تحرير المقدسات الإسلامية بالخُطب والمقالات والمؤتمرات والندوات، ولكن بالجهاد بالمال وبالنفس وبكل عزيزٍ وغالٍ.
ثانيًا: معالم الأخوة والإيثار في الهجرة النبوية
كيف كانت المدينة قبل الهجرة؟
فرَّ اليهود إليها من وطأة الرومان الساحقة، وبعد أن تآمر اليهود على السيد المسيح- عليه السلام- وأسسوا فيها المستعمرات الحصينة وأُثرُوا فيها ثراءً عظيمًا على حساب العرب الممزقين المفككين، وكانت هناك حروبٌ طاحنةٌ بين الأوس والخزرج.
كيف أصبح حال المدينة بعد الهجرة؟
جاء الإسلام وحوَّل هذه الحروب إلى سلامٍ وحبٍّ ومودةٍ، وتحققت رابطةُ الأخوة في الله والحب لله.. جاء الإسلام وطبِّق مبدأ الأخوة الإسلامية، وهي درجات:
أ- أن تقضيَ حاجة أخيك عندما يطلبها منك.
ب- أن تقضيَ حاجةَ أخيك قبل أن يطلبها منك.
ج- أن تؤثرَ أخاك على نفسك.
كيف كان الإيثار من الأنصار للمهاجرين؟
لقد استقبل الأنصار ركب الرسول بالفرحة والسرور، وفتحوا بيوتهم للمهاجرين، وأعطوا فرص عمل لهم، وسوف نعطي نماذج عملية من الأخوة، وكيف ساهمت في بناء الدولة الإسلامية:
نموذج أخوة سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف.. قال سعد لعبد الرحمن: "إني أكثر الأنصار مالاً، وإني مقاسمك مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبَهما إليك فسمِّها فأطلقها، فإذا انقضت العِدَّة فتزوجها".
ماذا قال عبد الرحمن لسعد؟.. "بارك الله في مالك، بارك الله في أهلك، دُلَّني عن السوق سوق بني قينقاع".
نموذجٌ للإيثار ونموذج العفة، نموذجٌ للأخوة، ونموذجٌ لتأكيد الأخوة.
قال الله- تبارك وتعالى- فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)﴾ (سورة الحشر).
لقد قال عبد الله بن عمر في هذا المقام: "المال ملكٌ لله- عز وجل- ونحن جميعًا مستخلفون فيه، والمال ملك الجماعة المسلمة وقت الأزمات، فيؤخذ المالُ من الغني لأجل الفقير، وليس لأحدٍ حقٌ في ماله وقت الأزمات، والمال ملكٌ للفقير والمسكين بحكم الزكاة".. ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: من الآية 7).. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)﴾ (البقرة).. ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾ (المعارج).. ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (التوبة من الآية 75).
لقد كان لرابطة الأخوة في الله والحب في الله دورٌ مهمٌ في بناء الدولة الإسلامية على الحرية والعدل والمساواة والشورى والأخوة، كما تحقق وعد الله لنبيه- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بالنصر، وترى قول الله عز وجل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)﴾ (النصر).
إن معالم التضحية والفداء والأخوة والحب في الله المستقاة من الهجرة النبوية تحتاج إلى التطبيق المعاصر؛ حتى نعيد بناء الدولة الإسلامية من جديد، وتعود الخلافة ويتحقق نصر الله على اليهود والأمريكان ومَن عاونهم وشايعهم.
نحن في حاجةٍ إلى أعمالٍ وأفعالٍ أكثرَ من أقوالٍ وتمنياتٍ.