ونحن نودع عامًا مضى، ونستقبل عامًا آخر، نقف في لحظاتٍ فارقة، نسترجع فيها النفس ونتمعن فيما مرَّ بنا من أحداثٍ ووقائع، على المستوى الفردي وعلى المستوى العام؛ لأن تكرار الأيام وتعاقب الزمن، إنما يعطي المؤمن عبرةً، وعظةً، ويجعل لهذه الحركة الدائبة للزمن قيمةً ومغزى في حياة الأفراد والجماعات والأمم ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (44)﴾ (النور).

 

ولذلك كان دأب المؤمن، أنه يتحسب لكل لحظةٍ تمر عليه، وكل يومٍ ينشق فجره، فكل وقتٍ لا شك محسوبٌ عليه، عليه أن يغتنمه، ويستثمره فيما يعود عليه، وعلى دينه، وعلى أمته بالخير العميم والمنفعة الحقة، سواء في أمور الدنيا بما يُصلحها، ويُقويها، ويُقومها، أو في أمورِ الآخرة بما يدخره عند الله تعالى من صالح العمل.

 

والمتأمل في حركة الزمن، يتأكد لديه أن الأيام تمر سريعةً سريعةً، والعداد يعمل دائمًا دون توقفٍ أو تباطؤ، والأيام محسوبة علينا، سواء وعينا ذلك أو تغافلنا عنه، والعمر كله إنما هو مجموع لحظاتٍ وثوانٍ ودقائق وساعات وأيام، هنيئًا لمَن يرزقه الله الرشد والحكمة، والاستثمار الجيد لعمره وحياته فيما يعود عليه بالخير؛ حيث إن مسئوليةَ العمر، مسئولية كبيرة فسيسأل "وعن عمره فيما أفناه"، ثم إن السنوات التي يقضيها الإنسان في هذه الحياة طالت أو قصرت- لن يتذكرها في الآخرة، وعند الحساب، إلا كأنها يومٌ أو بعض يوم.. قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (114)﴾ (المؤمنون).

 

وبنظرةٍ سريعةٍ وعاجلة على أحداث العام الذي نودعه، وخاصةً ما يتعلق منها بالشأن العام، نجد أنه كان حافلاً بأحداثٍ كثيرة، وانكسارات حادة في حياة الأمة وفي أماكن متعددة، فلا يخلو جزء من العالم الإسلامي إلا وفيه مشكلة، أو نار مشتعلة، أو أزمة مزلزلة، أو دماء تسيل هنا وهناك، ونفوس تزهق دون ذنب أو جريرة، في أفغانستان وفي العراق، في فلسطين وفي لبنان في الصومال وفي السودان، في باكستان الجريحة وفي أغلب بلاد جنوب شرق آسيا.

 

قتل هنا، وتدمير هناك، هكذا حال بلاد الإسلام، وذلك كله وفق أجندة الخط المعادي لهذه البلاد، المتربص بها الدوائر، بعد التحالف غير المقدس بين أمريكا والغرب وبين أطماع الصهيونية العالمية، كلها تتآمر، وتتكتل، وتضمر الحقد الأسود الدفين، وهذا الخط الرهيب قد أنشب مخالبه في كل شيء في حياة الأمة، وأفسد عليها كل شيء، سواء في الجوانب الدينية أو الأمور الحياتية، بحيث يحول بينها وبين اليقظة والصحوة والعودة إلى الجذور، واستلهام القيم الأصيلة لهذا الدين، وكل ما من شأنه استنهاض الهمم وشحذ العزائم لتأخذ الأمة دورها الصاعد، ومكانتها الحقيقة بها بين الأمم الناهضة والرائدة.

 

وإن قضايا فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال ودارفور بالسودان، لخير دليلٍ على مدى تورط الخط الصهيوأمريكي في المآسي التي حلَّت بهذه البلاد والدماء التي تسيل أنهارًا فيها، واستنزاف الموارد المالية والبشرية فيها جميعًا، وإعاقتها عن استرداد الأنفاس، وتقوية البناء، والحياة الكريمة التي تتحقق فيها الحرية والقوة والمساواة والعدالة والشورى التي يكفلها لها الإسلام.

 

وفي الشأن الداخلي المحلي، كما في أغلب الدول العربية، نجد التراجع الواضح في قضايا حقوق الإنسان، واحترام الآدمية، وتعذيب البشر وكأنه ممارسة يومية عادية لا غبارَ عليها، ونجد كذلك الظلم الصارخ في مناحي كثيرة من حياة الناس والنزعة العنصرية والطبقية التي تسود المجتمع والمعاناة العجيبة في تلبية المطالب والاحتياجات اليومية والمعيشية بحيث ينوء كاهل الفقراء بل والطبقة المتوسطة بأعباء فوق الطاقة لتوفير الاحتياجات حتى في حدها الأدنى الذي يصل إلى أقل من حدِّ الكفاف.

 

ويظهر هذا التراجع في انسداد الأفق السياسي وفقدان الأمل في إصلاح قريب أو منظور، فكل الشواهد تؤكد أن هناك استئثار بالسلطة، واحتلال أبدي للمواقع والمراكز، وبخل وشح في مشاركة الغير أو الآخر- مهما كان هذا الآخر- تبادل المواقع وتقاسم السلطة، والمشاركة في صناعة القرار.

 

ومن أمثلة هذا التراجع، وهي كثيرة، الاعتقال العشوائي ومداهمة البيوت، وتلفيق القضايا وكيل التهم جزافًا، وافتعال أسباب واهية ومحبوكة للنيل من جماعة الإخوان، وتنكب طريقها وحركتها، بعدما أظهرت انتخابات 2005م النيابية قوة وجودها في أعماق المجتمع والعمل مع الناس وفي حاجاتهم وتفاعلها معهم، وما أحداث المحاكمات العسكرية للمدنيين ببعيدة، بل ما زلنا نعيش أحداثها المؤلمة ومسرحيتها المملة، إذ رغم ما تبيَّن من ضعف أدلة الإدانة وفقدان المعقولية والمصداقية وتبرئة القضاء المدني الطبيعي لهم ثلاث مرات ومع ذلك فهناك إصرار غير مبرر ولا معقول على الاستمرار في هذه المحاكمة الظالمة.

 

ثم ما زال أسلوب تزوير الانتخابات خلال العام المنصرم، ومنع الناخبين من الوصول إلى اللجان وتسويد الكشوف وشراء الأصوات، والبلطجة في اللجان وأمام المقرات، والتعرض للمواطن العادي لمنعه من ممارسة حقه الطبيعي في اختيار مرشحه وظهر ذلك واضحًا في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى العام المنصرم، كما أكده ما ظهر في انتخابات دائرة منيل الروضة منذ عدة أيام؛ حيث فاز مرشح الحزب الحاكم بأصوات فاقت كل تصور وتحدث عن التزوير فيها القاصي والداني.

 

ومضى هذا العام بكل ما حمله من هموم، وما ناء به كاهل عامة الناس من معاناةٍ في كافةِ مناحي الحياة من أول رغيف الخبز مرورًا بمشاكل في مجالات التعليم والصحة والمواصلات، والنظافة وتدني مستوى المرافق العامة، والخدمات والغلاء الذي طالَ كل شيء.

 

آمالنا التي نتطلع إليها في العام القادم

ففي مجال الحياة الإسلامية العامة في كل البلاد نأمل أن يعود الناس إلى ربهم وإلى دينهم عودًا حميدًا، وأن تتحرر أغلب هذه البلدان من كل سلطانٍ أجنبي، وأن تعود مقاليد أمورها إلى أبنائها، ويكون قرارها وفق إرادتها ويحقق المصلحة العليا لها، وأن يكون لهذه البلاد صوت مسموع في جوانب المنتديات والمؤتمرات الدولية.

 

أحلم بأن تتحرر فلسطين، وتخرج القدس والمسجد الأقصى من الأسر، وأن يخرج آخر جندي محتل من أفغانستان، وأن تعود دارفور إلى حضن السودان، وأن يكون للصومال دولة وطنية قوية موحدة، ولكن ألا تبدو هذه الآمال رغم مشروعيتها وأحقيتها، تبدو ضاربةً في الخيال، ويغلفها الوهم البعيد عن الواقع والحقيقة، قد يبدو ذلك صحيحًا، ولكن أليس لنا أن نحلم وأن نعيش على الأمل؟!

 

أما هنا في بلادنا الغالية، فإنا نأمل أن يسود العدل والإنصاف كل شئونها، وأن تجرى الانتخابات بشفافية ونزاهة، بعيدًا عن التزييف والتزوير، وبدون عنف ولا بلطجة، وأن يقتصر دور الشرطة على حماية اللجان، وحماية حق المواطن في الإدلاء بصوته بيسرٍ وسهولة، وأن يكون ذلك كله تحت إشرافٍ قضائي، وأن يكفل الدستور والقانون ذلك.

 

وأيًّا ما كان الأمر، فإن على القوى المحبة للإصلاح، أن تثبت في ميدان المعركة السياسية وأن تستمر في مطالبتها بالنزاهة والشفافية والمشاركة ولا يتسرب إلى روحها اليأس والإحباط، ولا تكتفي بلعق جراحها والبكاء على اللبن المسكوب.

 

ويجب أن تلغى بصورة نهائية فكرة إقصاء أي طرفٍ من أطراف المنافسة السياسية تحت أي ذريعةٍ من الذرائع، وأن يتوقف سيل القوانين والتشريعات التي من شأنها تكريس هذا الظلم أو هذا الإقصاء؛ لأن ذلك كله لا يصبُّ في مصلحة مصر، ولا يخدم قضاياها ولا يُساهم في الحلول الجادة لمشاكلها ويخلصها من براثن الفساد والعقد الذي أصاب جهازها الحيوي وأفقدها التوازن المطلوب في مواجهة كافة المشكلات التي تعترضها.

 

وكما بدأنا بكلمةٍ عن قيمة الوقت في حياة المسلم فإننا نختم كذلك بأن قيمة الوقت ليس كالسيف إن لم تقطعه قطعك كما يذهب المثل، إنما الوقت هو الحياة، هو الحياة نفسها، وعلينا أن نُقدِّر قيمته، ونستفيد به، ولا يضيع منا هدرًا، وإذا كنا ننظر بحسرةٍ وألمٍ إلى العام الماضي؛ حيث أصابنا بعض الفتور والقعود عن تحقيق مستهدف دعوتنا وديننا والنهوض بأمتنا، والانتقال بها إلى حالٍ أفضل، وموقع أكثر تميزًا، فإنه يصبح من الضرورة بمكانٍ ألا نُكرر الخطأ بل والخطيئة في هذا العام الذي بدأنا أولى أيامه.