إذا نزلنا الشارع وسألنا أي شخصٍ: ما هو أهم شيء في حياتك وتعطي له الأولوية وتقدمه على غيره؟، فسوف نجد إجابات مختلفة؛ فمن الناس من يقول: إن أهم شيء عملي؛ أعطيه أغلى وقتي حتى أرتقيَ فيه وأصبح ذا مكانة عالية، والبعض سيقول: "مالي"؛ حيث بالمال أستطيع أن أفعل ما أريد، والبعض يقول: زوجتي وأولادي؛ حيث أضحي من أجلهم، وأعمل ليل نهار من أجل أن أوفر لهم حياةً كريمةً، ومستقبلاً يجدون فيه راحتهم.. إلى غير ذلك من اهتمامات الناس المختلفة، وقلَّ أن نجد مَن يقول إن أهم شيء في حياتي هو "الإسلام"!!؛ وحتى مَن يعترف لك بأن الدين هو أغلى شيء في حياته فقد يكون اعترافًا لفظيًّا لا يتجاوز الشفاه ولا يُصدقه العمل؛ وقليل مَن يصدق قولُه عملَه.

 

فتعال معي- أخي القارئ- ونحن على أبواب عامٍ هجري جديد نتصفح حياة المهاجرين لنرى كيف كان الإسلام له الأولوية في حياتهم؛ حيث ضحوا بكل غالٍ ونفيسٍ من أجل الإسلام؛ فقد كان ترتيب الأولويات في حياتهم واضحًا أمامهم، فكان شعار "الإسلام أولاً" في قلوبهم، وتُصدقه أعمالهم.

 

فهذا الصديق أبو بكر يُسخِّر نفسه وماله كلَّه وأولادَه في الهجرة، ولم يترك لبيته شيئًا، وعندما يسأله المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "ماذا تركت لأولادك يا أبا بكر؟" فيقول بنفسٍ واثقة من ربها: "تركت لهم الله ورسوله".

 

وهذا صهيب الرومي- وكان تاجرًا- عندما أراد أن يُهاجر من مكة إلى المدينة اعترضه مشركو مكة وقالوا له: "أتيتنا صعلوكًا لا مال لك، حتى تاجرت وكسبت المال، وبعد ذلك تريد أن تخرج بهذا المال من مكة؟!" فقال لهم: "إن دللتكم على مالي وأخذتموه تتركوني وشأني؟" فقالوا له "نعم"، فأخبرهم بمكان ماله، وترك ماله كلَّه ابتغاءَ مرضاة الله، وحتى ينجوَ بدينه، ولما ذهب إلى المدينة استقبله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال له مبشرًا:"ربح البيع أبا يحيى".. وأنزل الله في شأنه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)﴾ (البقرة).

 

نعم.. ربح البيع؛ لأن الإسلام كان أول شيء في حياته، ضحَّى بماله كله من أجل الحفاظ على دينه.

 

وهذا أبو سلمة الذي تعرَّض لمحنةٍ شديدةٍ عند الهجرة وترك زوجته وولده؛ وتروي زوجته قصة هجرته وما تعرَّض له بيت أبي سلمة فتقول: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل إلي بعيره ثم حملني عليه وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلمَّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟! علام نتركك تسير بها في البلاد؟!، فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه، وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد- رهط أبي سلمة- فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا.. فتجاذبوا بُنَيَّ سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة".

 

قالت: ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني.. فكنت أخرج كل غداةٍ فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي، حتى أمسى سنة أو قريبًا منها حتى مرَّ بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: "ألا تخرجون هذه المسكينة؟!.. فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها" فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.. ورد بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني".

 

لكم الله يا آل سلمة.. أرأيت- أخي القارئ- كيف كان "الإسلام أولاً" في حياة هؤلاء؟!، لا زوجة ولا ولد ولا مال أغلى من الإسلام، إذا تعارض الإسلام مع المال أو الزوجة أو الولد قدَّموا إسلامهم وضحُّوا بسواه، فعاشوا بالإسلام وللإسلام فنصرهم الله وأعزَّهم وسادوا العالم أجمع.

 

وأنا لا أقصد أن نترك العمل أو أن نهمل الزوجة والأولاد ونعتكف في المساجد.. كلا وألف كلا؛ فكفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع مَن يعول، ولكن كل ما أقصده أن نُعيد ترتيب الأولويات في حياتنا، وكل واحد يسأل نفسه هذا السؤال: "الإسلام رقم كام في حياتي؟".. هل هو رقم واحد أم اثنين أم ثلاثة؟.

 

وفي هذا المعنى يقول الشهيد سيد قطب في الظلال: "وليس المطلوب أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة، والزوج والولد، والمال والعمل، والمتاع واللذة; ولا أن يترهبن ويزهد في طيبات الحياة.. كلا، إنما تريد هذه العقيدة أن يخلص لها القلب, ويخلص لها الحب, وأن تكون هي المسيطرة والحاكمة, وهي المحركة والدافعة، فإذا تمَّ لها هذا فلا حرجَ عندئذٍ أن يستمتع المسلم بكل طيباتِ الحياة; على أن يكون مستعدًا لنبذها كلها في اللحظة التي تتعارض مع مطالب العقيدة".

 

فهل إذا تعارض الإسلام مع رغبةٍ من رغبات الدنيا، فأيهما أُقدِّم؟، وهل عندما أعود إلى المنزل فعن أي شيء أسأل؟.. هل أسأل الزوجة عن إعداد الطعام، وهل ذاكر الأولاد؟ وأنسى أن أسأل: هل صلَّت الزوجة أم لا؟ هل صلَّى الأولاد؟، هل حفظوا شيئًا من كتاب الله؟.

 

وهل الصحفي المسلم الذي يعمل في جريدة يرفع شعار "الإسلام أولاً"، فلا يكذب أو يضلل أو يقلب الحق باطلاً والباطل حقًّا من أجل ترقيةٍ أو حفنةٍ من المال؟، أم أنه نسي أنه مسلم وتأخَّر ترتيب دينه عنده فلا يُفكِّر فيه أصلاً ويبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل؟!!.

 

ولقد حذرنا الله- عز وجل- من عدم ترتيب الأولويات، أو أن نؤخر الإسلام ونقدم ما سواه في حياتنا، فقال- تعالى- في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة).

 

حيث يقول القرطبي في تفسيره: "لما أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالهجرة من مكة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه والرجل لزوجته: إنا قد أُمرنا بالهجرة, فمنهم مَن تسارع لذلك, ومنهم مَن أبى أن يهاجر، فيقول: والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة لا أنفعكم ولا أنفق عليكم شيئًا أبدًا، ومنهم مَن تتعلق به امرأته وولده ويقولون له: أنشدك بالله ألا تخرج فنضيع بعدك، فمنهم من يرِقُّ فيدع الهجرة ويقيم معهم، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ (التوبة من الآية 23).. ثم نزل في الذين تخلفوا ولم يهاجروا: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ..﴾".

 

لقد كان حدث الهجرة وما رأينا من مواقف للمهاجرين الأولين جديرٌ بأن نقف مع أنفسنا وقفة ونعيد ترتيب أولوياتنا، ولنجعل إسلامنا رقم واحد في حياتنا؛ فلا نساوم عليه ونفرِّط فيه من أجل عرضٍ من الدنيا، فإذا فعلنا ذلك نصرنا الله على أعدائنا، ورجعت لنا عزتنا الغائبة، وعشنا حياةً كريمةً، وخرجنا من هذا الذل والهوان الذي نعيش فيه الآن.

 

ونختم بمقولة الفاروق عمر- رضي الله عنه-: "كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزةَ في غيره أذلنا الله"، فليكن الإسلام في حياتنا أولاً وقبل كل شيء.