استوقفتني ثلاثة أخبار نقلتها وسائل الإعلام المختلفة، كلها تؤكد أن غير المسلمين يعملون بكلِّ همةٍ ونشاطٍ في نشر دعوتهم، والعمل بمختلف الوسائل للتمكين لمبدئهم والترويج له، وتوسيع دوائر المؤيدين له والمعتقدين بأهليته، وأحقيته في غزو قلوب الآخرين، بصرف النظر عن هوية المدعوين أو ملتهم أو دينهم، ولا نعيب على الذين يعملون بهذه الهمة وهذا النشاط، عملهم ولا نشاطهم، بل العكس هو الصحيح، إنما نعيبُ على المسلمين في كل مكانٍ استكانتهم وضعفهم، وخاصةً الأغنياء منهم- وما أكثرهم-؛ حيث لا تتحرك فيهم الحمية لدينهم والغيرة على دعوتهم، وبذل ما يجب بذله لنشر دعوة الإسلام وحماية المسلمين من الغزو الفكري والهجوم التبشيري الذي يمتلك المال والقوة والدعم الدولي المادي والمعنوي.
الخبر الأول: نشرت جريدة "الأحرار" المصرية بتاريخ 14/12/2007م تحت عنوان (الصين تطبع 80 مليون نسخة من الكتاب المقدس)، وفي تفصيلٍ لهذا الخبر قالت: أعلنت شركة الصداقة للطباعة- مجموعة مسيحية مقرها بكين- الانتهاء من طبع خمسين مليون نسخة من الكتاب المقدس، و9 ملايين نسخة من العهد الجديد، و8 ملايين نسخة مطبوعة بطريقة برايل للمكفوفين و8 ملايين نسخة بلغات الأقليات القومية الصينية وعدها 55 قومية بخلاف 7 ملايين نسخة خُصصت للتصدير إلى الخارج؛ تمهيدًا لتوزيعها على المتدينين الصينيين من معتنقي المسيحية أو الراغبين من غير المسيحيين بمناسبة حلول عيد الميلاد.
وقال "يي شياو ون" رئيس مصلحة الدولة للشئون الدينية: إن الحكومةَ الصينيةَ تحترم وتحمي الحرية الدينية وتدعم دائمًا طبع ونشر الكتاب المقدس في الصين، مشيرًا إلى أنه خلال السنوات الأخيرة تشهد الصين طباعة ما لا يقل عن ثلاثة ملايين نسخة من الكتاب المقدس كل عام.
يُذكر أن إجمالي عدد سكان الصين 1.3 مليار نسمة من بينهم مائة مليون فقط يدينون بعقائد سماوية وأرضية مختلفة، فيما تعتبر الديانة المسيحية ثالث عقيدة من حيث عدد الأتباع- بعد البوذية والإسلام- يُقدَّر بنحو 16 مليونًا، ويرجع تاريخ دخولهم الصين إلى مطلع القرن السابع الميلادي، ويبلغ إجمالي عدد الكنائس المنتشرة في شتى أنحاء الصين نحو 4600 كنيسة بخلاف 18 مدرسة لاهوتية وتوجد كنيستان كاثوليكيتان في الصين إحداهما "وطنية" مرتبطة بالسلطات السياسية الرسمية، والأخرى "سرية" مرتبطة بالفاتيكان.
وقد حرصتُ على نقل الخبر كما ورد في الجريدة التي أشرنا إليها، وليس لنا غير إشارات خفيفة أو تعقيب سريع.
1-هذا التساهل في طباعة الكتاب المقدس بهذه الأعداد الهائلة والتي تفوق أضعاف أضعاف أضعاف أعداد المسيحيين في الصين، هل يتمتع بهذه الميزة وهذه الحرية إخوانهم في الوطن من المسلمين؟ وهل تسير حياة المسلمين هناك دون عوائق أو مضايقات؟ وهل يتمتع المسلمون هناك بنفس القدر من الحرية التي يتمتع بها غيرهم من أصحاب العقائد السماوية أو الأرضية؟ نرجو ذلك، غير أن الأخبار التي تنقلها الأنباء- وما أندرها- التي ترد من الصين تفجعنا دائمًا بأشكال المعاناة والاضطهاد والتهجير القسري، والغربة الموحشة التي يعانيها مسلمو الصين؟!!.
2-وأين أموال الأثرياء في بلاد البترول وغيرهم من دعم إخوانهم المسلمين في الصين، وفي جميع بلاد جنوب شرق آسيا (تايلاند وإندونيسيا والفلبين وكمبوديا.. إلخ)؟.
3-وأين دعم مؤسسة الأزهر الشريف مقابل دعم الفاتيكان لأعمال التبشير المسيحي هناك؟.
الخبر الثاني: نشرت جريدة "الدستور" يوم الأحد 16 ديسمبر 2007م تحت عنوان (الفاتيكان يؤكد: ندافع عن حقِّ التنصير حتى الموت)، وفي تفصيلٍ لهذا الخبر تذكر الجريدة أن الفاتيكان دافع عمَّا اعتبره حق الكنيسة الكاثوليكية في نشر رسالتها التبشيرية بين غير المسيحيين وأصحاب المذاهب المسيحية الأخرى، ودعا لبذل الجهد في سبيلها حتى الموت.
وذكر الخبر أن أنشطة التنصير قد أثارت غضب المسلمين في أنحاء عديدة من العالم الإسلامي، خاصةً بعد صدور دعوات رسمية بها، ففي أكتوبر الماضي دعا "جودون شويل روجرز" الأمين العام للتحالف الإنجيلي إلى تنصير المسلمين في أوروبا، معتبرًا أن هجرة المسلمين إلى القارة "فرصة تنصيرية"، وفي نوفمبر وزَّع التحالف الإنجيلي الذي يتخذ من ألمانيا مقرًّا له إمساكيةً لشهر رمضان مدونًا عليها تعاليم مسيحية تهدف إلى التنصير.
واعتبرت الوثيقة الصادرة بهذا الشأن أن هذا النشاط التنصيري، هو حق مشروع لدرء خطر ما أسمته الوثيقة "أوروبا المتأسلمة"؛ ولذلك فالتنصير ضرورة ليتوافق شخص ما مع المسيح وإنجيله الذي لا يعد انتهاكًا بل خدمةً ونشاطًا شرعيًّا، وإن التحاق أعضاء جدد بالكنيسة ليس امتدادًا لسلطة طائفة بل يعد دخولاً في صداقةٍ مع المسيح الذي يصل السماء بالأرض والقارات والعصور المختلفة، إنه دخول في اتحاد مع المسيح.
وهذا النشاط التنصيري غالبًا ما يستهدف المسلمين المقيمين في أوروبا، ثم المناطق المضطربة أو المُعرَّضة للكوارث في العراق وأفغانستان ودارفور السودانية وإقليم إتشيه بإندونيسيا، وغيرها وغيرها.
ونحب أن نؤكد مرةً أخرى أننا لا نعيب على أحدٍ أو فكر، حركته الدائبة لنشر فكره أو دينه أو مذهبه، إنما نعيب على المسلمين، خاصةً القادرين منهم، أفرادًا أو جماعاتٍ أو نظمًا أو مؤسسات، نعيب عليهم جميعًا تركهم الحبل على الغارب والانسحاب القسري أو المتعمد من ساحة العمل الجاد لنصرة الإسلام، وحماية المسلمين من تيارات الغزو العقائدي والسحق الفكري وعدم الاهتمام بعمل جمعيات ومؤسسات تحت لافتات رسمية تنشئها في كثيرٍ من بلاد المسلمين أو البلاد التي يسكنها جاليات مسلمة كبيرة أو صغيرة، وتقوم هذه المؤسسات أو الجمعيات بطباعة أعدادٍ كبيرةٍ من المصاحف، والكُتيبات التي تعمل على إزالة الأمية الدينية لدى الملايين من المسلمين وإعانتهم على فهم الإسلام بشكلٍ يُجنبهم الوقوع في براثن الفخاخ المنصوبة لهم.
الخبر الثالث: وهو ما أعجبني كثيرًا، وجدته مؤشرًا لحِراكٍ مجتمعي سياسي نشط نحو المشاركة الجادة في الانتخابات، والإدلاء بالأصوات وعلاج السلبية العامة التي تجعل جميع المصريين ينصرفون عن الذهاب إلى صناديق الانتخابات، فضلاً عن المسارعة إلى استخراج بطاقات الانتخاب أصلاً، يقول الخبر الذي نشرته جريدة "البديل" بتاريخ 14/12/2007م تحت عنوان "الباب شنودة يطالب الأساقفة بالإشراف على استخراج بطاقات الانتخاب للأقباط"، إن البابا شنودة قد نبَّه إلى ضرورةِ الاهتمام بعمليات القيد في الجداول الانتخابية للأقباط، وأنه من الواجب على كل مسيحي أن يشارك في المجتمع ويكون فاعلاً حتى يتمكَّن من المطالبة بحقوقه فيما بعد.
قلتُ: إنني لا أُخفي إعجابي وتقديري لهذا النداء، وأراه لا يخص إخواننا المسيحيين فقط، إنما يخص كل المصريين مسلميهم ومسيحييهم، وأن ذلك سيؤدي بإذن الله إلى الإيجابية ومواجهة كمِّ التزوير وتزييف الإرادة، من جرَّاء التقاعس عن ممارسة حقِّ الانتخاب، فلعل ذلك يكون إصلاحًا لحالة الانكماش والتقوقع، وصولاً للإصلاح السياسي المنشود، وإزالة بؤر الاحتقان والانسداد التي يحس بها الجميع.
والله الموفق لما فيه الخير.