د. أحمد المجدوب

 

إنا إذا حطمة حتَّت لنا ورقًا       نمارس العود حتى ينبت الورق

هذا بيت قديمٌ جدًّا جاهليٌّ، دالٌّ على صدق التجربة، قائد إلى اكتشاف الحق وإثباته وعدم الخُلف فيه، وهو بيت يُضرَبُ مثلاً أو يكاد عندما يقبل الجدب، ويعزُّ العيش، وتقسو أيام الحياة؛ حتى يضيق صدر المرء، ويغشاه الضجر، ويركبه الهمُّ من كل مكان، ولا يجد النبيل أمامه إلا الصبر يتجرَّعه، والحطمة: الأمر الشديد يقع فيحطم كل شيء، ويحتّ ويقشر الورق الذي هو عنوان الحياة، ودليل الازدهار، وإقبال الربيع، فإذا كانت مارَسَ الحرُّ النبيلُ مَواطنَ الإثمار، وعالج أمرها ورعاها؛ عساها تورق من جديد، وحطمة هذه السنة التي توشك على الرحيل تمثَّلت في رحيل الكريم الماجد الدكتور أحمد المجدوب فقيه القانون الجنائي والمفكر الاجتماعي صاحب البصمات الكبيرة في هذا المجال الخطير.

 

عرفت الدكتور أحمد المجدوب كما عرفه كثيرون غيري من خلال كتاباته القوية التي كان يشرح فيها مواطن الخلل في بنية المجتمع المصري المعاصر، ولا سيما في ممارسات النظام القائدة إلى تدمير خلايا كثيرة في جسم المجتمع المصري، وهو ما سوف نقف أمامه قليلاً فيما بعد، ثم توطَّدت علاقتي به من خلال مشاركتي له في عدد من اللقاءات في منزله العامر قريبًا من شارع جامعة الدول العربية، وفي كثير من الندوات في جريدة (آفاق عربية) قبل اغتيالها، وكان آخر لقاء مطوَّل معه عندما شرُفت بمشاركته في ندوة موسَّعة مطوَّلة عن مشكلات الأسرة المصرية مع الأستاذة الفاضلة وفاء سعداوي في صيف عام 2006م.

 

كان المجدوب أبًا رحيمًا، فاضت أبوَّته على كلِّ مَن عرفه، ولعلَّ نعمة الله سبحانه عليه- التي تمثلت في حرمانه الولد- جعلته أبًا حقيقيًّا لكثير ممن عرفه والتقاه.

 

لقد كان أبًا في التقاطه الظواهر الاجتماعية التي أرَّقت ضميره العلمي، وكان لها أثرها الطاغي في تشكيل المجتمع المصري المعاصر، ولعل عمله الطويل في مركز البحوث الاجتماعية والجنائية أستاذًا مرموقًا، مكَّنه من إدراك كثير من المشكلات التي نخرت في العمود الفقري للمجتمع المصري.

 

وهو ما تلمسه في رصده الآثارَ المدمرة لكثير مما ظهر من الأمراض المجتمعية، ولا سيما فيما عالجه من بحوث حول ما تعرَّضت له الأسرة المصرية من تفكُّكٍ وانهيارٍ؛ بسبب طغيان الثقافة المادية، وتقديم المادة والعناية بها، والاغتراب من أجل جمعها؛ مما أنت واجدٌ له أمثلةً ظاهرةً.. في مثل بحوثه حول "زنا المحارم"!!.

 

لقد استطاع أحمد المجدوب أن يرصد أنّ الانقلاب في ترتيب أولويات الأسرة المصرية أدَّى- في كثير من المجتمعات الإقليمية في مصر على وجه التحديد- إلى ما يشبه الكارثة.

 

وفيما يلي يمكننا أن ندلِّل على ذلك:

1- خلل العلاقة بين الأمن السياسي والأمن الاجتماعي في ممارسات النظام المصري المعاصر:

يرى المرحوم الدكتور أحمد المجدوب أن انشغال النظام المصري بتأمين استقراره في الحكم، وحماية الأسباب القائدة إلى ذلك، والالتفات إلى كل ما مِن شأنه أن يمسَّ هذا الاستقرار والمبالغة في رعاية هذا الجانب، أفضى إلى إهمال مروِّع في كل نواحي ما يمكن أن نسمِّيَه "الأمن الاجتماعي" حتى غدا الاعتداء على العرض أهونَ بدرجات جبَّارة من مجرد إشاعة تصل إلى الجهاز الأمني عن بعض ما يسمَّى بالمظاهر الإرهابية.

 

وفي هذا السياق حكى لي مرةً حكايةً دالَّةً؛ مُحزنةً في الوقت نفسه؛ أنه اضطُّرَّ مرةً عندما حاول أحد المجرمين الاعتداء الجنسي على بعض الفتيات في إحدى عمارات الحي الذي كان يسكن فيه، وحاول الناس مرارًا الاتصال بجهاز الشرطة لينقذوا سكان البناية من بلطجة هذا الشاب، لكن محاولات المتصلين باءت بالفشل، فاتصل الدكتور أحمد المجدوب بالشرطة مدعيًا أن شابًّا معه متفجِّراتٌ يهدِّد بعض المحالّ؛ الأمر الذي حرَّك الجهاز الأمني ليصل في دقائق قليلة إلى المكان!!.

 

في هذا المثال البسيط الذي كان دائمًا ما يحكيه ما يدلِّل على أن ثمةَ تفسيرًا مهمًّا لكثير من المشكلات الاجتماعية عائدًا إلى غياب الأمن، وانشغاله بالأمن السياسي من دون غيره.

 

ومن هنا فإن بالإمكان أن نفسِّر حالة الانفلات في الشارع المصري على مستوى المرور وما يحدث في الأحياء الفقيرة، من استغلال المواطنين الفقراء من قِبَل سائقي الميكروباص مثلاً؛ مما يتمثل في تقسيم المسافات، ورفع الأجرة ليلاً، ونردَّها إلى ما يمكن أن نسمِّيَه الآن بمرحلة "غياب الدولة"، وهو التطور الطبيعي لما كان اقترحه الأستاذ الدكتور جلال أمين وجعله عنوانًا لبعض كتبه، وهو مصطلح "الدولة الرخوة".

 

وبالإمكان أن نفسِّر كذلك بخلل هذه العلاقة بين الأمن السياسي المتقدِّم في أولويات النظام، والأمن الاجتماعي المعدوم أو المفقود أو المؤخر جدًّا في أحسن الأحوال.. كثيرًا من مظاهر الانفلات في جنبات المجتمع المصري، في الأسواق والمؤسسات التعليمية والإعلامية وغيرها.

 

إن المجتمع المصري في خطر حقيقي؛ بسبب من خلل هذه العلاقة، هذا هو صوت أحمد المجدوب الذي لا يصحَّ أن يغيب أو يخفت!!.

 

2- خطورة تبنِّي خيار العنف من قبل النظام في مواجهة المعارضة:

كان أحمد المجدوب قريبًا من الدوائر الأمنية بحكم اضطلاعه بالتدريس والتدريب في أكاديمية الشرطة، وكان من أئمة الداعين إلى تبنِّي خيار المواجهة الفكرية في مواجهة ظاهرة العنف التي اجتاحت المجتمع المصري، وكان مركزها الصعيد المصري، وكان يرى أن إهمال قراءة واقع هذا المجتمع الإقليمي- بما سكنه من عادات الأخذ بالثأر، وتجاهل منجزات علم اجتماع القرية في أثناء المعالجة الأمنية- هو الذي أدَّى إلى انفجار الوضع في كثير من الأحيان، وكان يرى أن التصفية الجسدية من أكثر الخيارات خطأً.

 

كان المجدوب يرى أن ظاهرة العنف كانت وليدةَ أسباب متداخلة: اقتصادية تمثلت في حالة الفقر المروِّع التي سقط فيها المجتمع المصري عمومًا والمجتمع المصري في الجنوب خصوصًا، وتعليمية بسبب تهميش تدريس الدين، واجتماعية في حالة تُشعِر بمساندة الفساد الأخلاقي من قِبَل النظام في مواجهة ضرب مظاهر التديُّن، على ما يظهر في ملاحقة المحجبات، ومنعهن من الظهور في الإعلام المرئي.

 

3- خطيئة تهميش الدين!

كان أحمد المجدوب كثيرًا ما يقرِّر أن واحدةً من خطايا نظام عبد الناصر تمثَّلت في التحوُّل في النظر إلى مادة الدين في مراحل التعليم العام، وإهمال التعامل معها على أنها مادة مجموع، في سابقةٍ لم تحدث في النظام التعليمي المصري، وكان يقرِّر أن تراكم التعامل بهذا الشكل كان من العوامل المؤثِّرة جدًّا في تنامي ظاهرة العنف والانحراف الفكري الذي اصطلى المجتمع المصري والنظام الحاكم على حدٍّ سواء بنيرانه.

 

وفي الإطار نفسه كان يقرِّر أن محاصرة الإسلام المعتدل الوسطي- ممثلاً في معاداة النظام لفكر الإخوان المسلمين بعد صبغِه بدوافع سياسية- أدَّى إلى تنامي ظهور الجماعات المسلَّحة التي ركنت إلى خيار مقاومة النظام عسكريًّا.

 

ولعل المراجعات الفكرية التي تدعو إليها بعضُ الأصوات المنتمية إلى جماعات العنف اليوم، تقتضي أن يتحلى أصحابُها بالشجاعة الكافية ليعودوا إلى الدرجة الصفر التي انفصلوا فيها عن تيار الإسلامِ الوسطيِّ الذي كان يمثِّله لحظةَ تَوجُّه هذه الفصائل ناحية العنف في جماعة الإخوان المسلمين.

 

إن الاعتبارات التي يسوق بها النظامُ الحاكم في مصر لتكريس التعامل مع الدين باعتباره مادةً مهمَّشةً ساذجةً وتافهةً، كان ذلك صوت المجدوب الذي ما زال هو الصوت الجدير بالصمت أمامه؛ ليتأمله القائمون على أمر التعليم في مصر، بعدما امتلأت السلال بثمار الحصاد المُرّ والدَّامي لمسيرة خمسين عامًا من عمر تهميش تدريس الدين في مصر، وتهميش ومحاصرة الإخوان وفكرهم!!.

 

4- انهيار مصر طريق انهيار الأسرة المصرية!

لقيت البحوث المتعلقة بمشكلات الأسرة المصرية عنايةً بالغةً من الجهود العلمية والفكرية التي بذلها الدكتور أحمد المجدوب؛ الأمر الذي قادَه إلى أن يقرِّرَ أن كثيرًا من الأمراض التي تنخر في جسد مصر مردُّه إلى الخلل في ترتيب الأولويات في اهتمامات الآباء والأمهات، تمثل فيما يلي:

 

أ- ارتقاء العناية بالمادة؛ مما قاد إلى انتشار الثقافة المادية والثقافة الاستهلاكية، وتفشِّي ظاهرة السفر والاغتراب، وترك الأسرة من غير رقابة ولا عناية.

 

ب- الإهمال في تربية الأبناء وفق منظومة القيم الإسلامية، والتهاون في مراقبة الأبناء من قِبَل الآباء ومتابعتهم.

 

كان الدكتور أحمد المجدوب جرَّاحًا ماهرًا، طالما أمسك بالمِبْضَع ليستأصل أورامًا تُوشك أن تهدم بنيان مصر، وكان ظهوره أشبه بظهور القمر، يتبعه مدٌّ عملاقٌ في بحر العناية بمشكلات المجتمع المصري، تحليلاً وتشخيصًا وعلاجًا، وبغياب هذا القمر وقع الجزر والانحسار؛ مما يؤذن بخطر محدق بنا في مجال خطير جدًّا، وفي سياق مؤلم جدًّا.

 

غاب أحمد المجدوب فغابت أقمار هادية، وانهدَّت قلاع حامية، وصمتت أجراس طالما دقَّت تحذيرًا وتنبيهًا.. سقط مؤذن عملاق، فمن يعتلي المئذنة ليرفع الأذان؟!

-------

* كلية الآداب جامعة المنوفية