زهراء أمير بسام

 

لسنوات طويلة ظل خروج المرأة إلى العمل إشكاليةً كبيرةً، تؤرِّق فريقَين لنقُلْ عنهما متناقضَين، وكانت هذه القضية محلَّ شدٍّ وجذْبٍ بينهما، وعلى أثَر هذا الشدِّ والجذب صارت هذه القضيةُ محلَّ اهتمامٍ من عامةِ الناس على طريقتهم بالطبع.

 

فخروجُ المرأة إلى العمل كان محلَّ ترحيبٍ من الحركات النسائية، والتي طالبت بهذا الحق على مدار سنوات طويلة، كما أنها نادت بأن تتولى المرأةُ جميع المناصب التي يمكن أن يتولاها الرجل؛ بدءًا من رئاسة الجمهورية حتى حراسة العقارات، وجعلوا من هذا همًّا أولَ وحقًّا لا بد أن يُنتَزَعَ، ونسوا أو تناسَوا دورَ المرأة الأهم؛ في بيتها، وفي إعداد جيل صالح، ينهض بهذه الأمة اليتيمة، وجعلوا كلَّ تركيزهم في كيفية إخراج المرأة من هذا المستنقع الذي هو بيتها، وتخليصها من القهر الذي تتعرَّض له في بيتها على يد أولادها وزوجها بالطبع!!

 

أما الفريق الآخر، فكان في موضع ردِّ الفعل، وما دمت ترفض الآخر، فإنك سترفض كل ما يصدر عنه، وهذا هو ما حدث بالفعل، فكان الرفض التامّ لخروج المرأة للعمل، وأخذوا يستدلُّون بآراء فقهية، وفي بعض الأحيان بآراء عقلية ومنطقية، ونماذج تؤكد هذه الآراء، وجعلوا من خروج المرأة إلى العمل انهيارًا للأسرة المسلمة، وتفككًا لشملها، وبالتالي تتحمَّل هذه المرأة التي تخرج إلى العمل وِزْرَ ضياعِ الأمة وتأخُّرِها وتخلفِها، بالإضافة إلى ضياع أولادها وسقوطهم في الهاوية!.

 

ولأن المحرك الأساسي لهذه الأمة هو الدين؛ فقد ذهب البعض إلى تحريم خروج المرأة إلى العمل، وكانت هذه الأخيرة هي السبب الرئيسي في عدم خروج بعض السيدات للعمل، وتجاهلوا بذلك إمكانياتٍ في المرأة قد تؤهِّلها لإحداث تغيير في العالم الإسلامي، ولسنا هنا بصدد الحديث عن نماذج في التاريخ الإسلامي تؤكد هذا المعنى، ولكن ما يعنينا هنا هو أنه على الرغم من هذا الترحيب المطلق بخروج المرأة إلى العمل من قِبَل أحد الفريقين والرفض المطلق من قبل الفريق الآخر، وبذل كلٍّ منهما ما في وُسْعِهِ لإثبات صحة نظريته، بل ولفرضها في الواقع.. إلا أن أحدًا منهما لم يتوصل إلى حلٍّ وسطٍ، يستطيع أن يُرِيْحَ هذه الأمة المنهكة من كل جوانبها.

 

فمن قال بتحريم خروجها نسي أو تجاهل أن هذه المرأة لها عقلٌ وكيانٌ يتمتع بإمكانياتٍ ومهاراتٍ قد نفتقدها في كثير من الرجال، ومن الممكن استغلال هذه المهارات وتوظيفها بحيث نرتقي بهذه الأمة، وأيًّا ما كانت مبرِّراتُ هذا الفريق فلا يجوز حصرُ دورِ المرأة فقط في البيت، ومع اعترافنا بأهمية هذا الدور بل وبأولويته أيضًا، وبالجهد الذي يتطلَّبه والنفع الذي يعود منه، إلا أننا بهذا الرأي وكأننا نريد أن نفرِغَ بحرًا هائجًا في دلو صغير، وهكذا المرأة- بكل ما لديها من إمكانيات- إذا لم يتم توظيفُها واستغلالُها سيتحوَّل دورُها في البيت إلى دور رقابي بحت، وبهذا يكون الكبت الذي يفكك الأسرة جديًّا.

 

أما من قال بوجوب خروج المرأة مع إهمالِ دورِها في البيت وجعلِه دورًا ثانويًّا في حياة المرأة؛ فهي لا بد أن تحقق ذاتها أولاً، وتبني كيانها المستقل، وذلك لكي تستطيع هزيمة هذا العدو الساكن معها في نفس البيت.

 

أما الأولاد فلهم وسائل الإعلام المرئية والسمعية والإنترنت والأصحاب، فهؤلاء هم من سيربونهم وينتجون لنا جيلاً نافعًا يافعًا، وهكذا وقفنا على شاطئَي بحرٍ به غريق نختلف على وسيلة إنقاذه، هذه الأمة لن تنهض وترتقي إلا بجهود جميع أفرادها من رجال ونساء، بشرط أن يعلم كل فرد حقَّ العلم وأن يفهم تمام الفهم دورَه في هذه الحياة؛ فالرجل له دوره، والمرأة كذلك، وربما يقع عليها الحمل الأصعب؛ فهي مطالبةٌ بأن تصنع جيلاً قويًّا مؤمنًا قادرًا على المواجهة، وهذا هو الأهم داخل أسوار بيتها.

 

أما خارجه فعليها أن تستغلَّ مهاراتها وتوظِّف إمكانياتها بما يفيدُها ويفيدُ المجتمع، وبذلك قد نكون وصَلْنَا إلى المنطقة الرمادية؛ فالحياة ليست أبيض وأسود.