لما اشتدَّ الأذى بالمسلمين في مكة قال النبي- صلى الله عليه وسلم- للمسلمين: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد, وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه"، وقد علل النبي اختياره للحبشة بتوافر قيمتين إنسانيتين عُظميين في ملكها ورعيته، هما: العدل والصدق، وهما صفتان رئيسيتان ينضوي تحتهما أغلب القيم الإنسانية"، فخرج إلى الحبشة- في هذه الهجرة الأولى- ثلاثة وثمانون رجلاً.

 

وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقد أكرم النجاشي مثواهم، وأمر رعيته بأن يعاملوهم معاملة مواطنيهم، مع اختلاف الجنس والدين.

 

*****

وعاش المسيحيون في ظل الدولة الإسلامية تحت مظلة العدل والطمأنينة والسلام، وكانت مصر بالذات إلى عهدٍ قريبٍ مقصد طلاب الأمان والحرية، وكذلك طلاب الرزق، وقد بلغت الجالية اليونانية في مصر من هؤلاء مئات الألوف.

 

ولكن مصر الكنانة وطن داعية الإسلام وجدي غنيم يغلقها الظالمون في وجهه؛ فلا يسمح له بدخولها مما يذكرنا بقول الشاعر:

أحرام على بلابله الدوحُ  حلالٌ للطير من كل جنسِ؟

 

وبعد أن أُخرِج من الولايات المتحدة يعيش في الكويت، فيُخرج من الكويت ويمنع من دخولها، فيقيم الرجل في البحرين مع أسرته، وبمؤامرة خسيسة يُخرج من البحرين.. مع بقاء أسرته في البحرين، ويقصد قطر.

 

والرجل لا يحرص على الدنيا ومالها، ومناصبها، ومظاهرها، ولكن همه الوحيد أن يؤدي رسالته في الدعوة إلى الله والدفاع عن الإسلام، ومن أجل هذه الدعوة السامية زار السعودية، وقطر، والكويت، والأردن، والبحرين.

 

وكذلك كثيرًا من البلاد الغربية منها: الولايات المتحدة، وألمانيا، وإنجلترا، وهولندا، والسويد، وإيطاليا، والدنمارك، وفرنسا، واليونان، والنمسا، وأيرلندا، واليابان، وتركيا.

 

وفي كل بلد كان يدعو إلى الله على بصيرة، والناس يتهافتون على كلماته فيسجلونها، ويتداولونها، كل أولئك وهو "ممنوع" من دخول مصر وطنه، ومسقط رأسه، وحق لي أن أقول فيه ما قلته في عمر بهاء الدين الأميري- رحمه الله-:

يـا سائحًا فـي سبيـل الله غربتُـهُ  =  وما ذَللْتَ  ومـا استسلمتَ للهُونِ

في الشرق والغرب تمضي تحت رايتِهِ = فـي درب " أحمـدَ" والغُرِّ الميامينِ

لئـن جفتْكَ بـلاد أنـت صفوتـهـا = فافخرْ بـأنك لا، لـم ترض بالدون

نـزلتَ فـي كـل قلبٍ مؤمنٍ  سكنا = من الرباط.. إلى مصرٍ.. إلى الصين

"رصيـدُك" الضخمُ حبـٌّ لا نَفَـادَ لهُ = يجـودُ بالـرَّوْح دومـًا  والرياحين

فمـا اغتربتَ.. ولكن ظلَّ مغتربًا      = من عاش  في أرضهِ عيشَ الملاعين

 

 الصورة غير متاحة

الشيخ وجدي غنيم

 ولا عجب أن يكون للأستاذ وجدي غنيم هذه المكانة، فهو- كما عرفته ومن لقاءاتي به، واشتراكنا في عشرات من الحلقات التلفازية- عالم واسع الأفق، موسوعي المعرفة، قوي الحجة، ناصع البيان متدفق في خطبه وأحاديثه، ومحاضراته، كأنه يقرأ من كتاب، يـتمتع بقدرة فائقة على ربط وقائع الماضي بواقع الحاضر، واستخلاص الدروس والعبر من كل أولئك، كثيرًا ما يطعِّم أحاديثه بالنكت اللاذعة، وهذا ما قد يؤاخذه عليه بعضهم، وهو في هذا الملمح يذكرنا بالشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله.

 

متواضع.. جم التواضع.. مبتسم دائمًا.. بسيط في مظهره، قوي الإيمان بدعوته، جريء في  الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم.

 

هذه- في إيجاز شديد جدًّا- أهم ملامح الصورة النفسية لهذا العالم الجليل.

 

****

وخلاصة ما حدث أخيرًا، بعد أن استقر الداعية المسلم في البحرين هب ثلاثة من النواب أدعياء السلفية، واتهموا الداعية المسلم بأنه- من ستة عشر عامًا- أساء إلى شعب الكويت، وهذا مسجل في شريط كاسيت، يحتفظون به. وكانت نتيجة هذا الادعاء الذي ملئوا به الدنيا صياحًا وتشنيعًا أن قررت دولة البحرين إخراج الداعية وجدي غنيم، فاتجه عدد من الضباط البحرينيين في مديرية الهجرة وأبلغوه أن يرتب أموره للسفر العاجل إلى بلدٍ آخر في أقرب وقتٍ ممكن، ريثما يتم التحقق من موقفه من دولة الكويت؛ حيث لا تريد السلطات العليا في المنامة وجود أي شخصٍ يقع في دائرة شبهة مساس من أي نوع بالكويت.

 

يقول الداعية وجدي غنيم: "أقول للنواب الثلاثة: أحمد باقر، وعلي العمير، ووليد الطبطبائي، حسابي معكم أمام الله يوم تبلى السرائر، ولن أسامحكم لا دنيا ولا آخرة، لقد فعلتم بي ما لم يفعله اليهود والنصارى، وأنا أمضيتُ عمري على المنابر في الدعوة إلى الله، وأذُيت كثيرًا وكان هذا شرفًا لي، ولكني لم أتخيل يومًا أن تأتيني الأذية من مسلمين، وملتحين يقولون أنهم سلف... فهل هناك سلفي يفعل ما فعلوه بأخيه المسلم؟!.

 

أنا خائف على هؤلاء النواب الثلاثة، من دعاء الناس، وأولهم زوجتي وأولادي.. ولستُ أدري لماذا يتصيد البعض عثرات الدعاة- إن صحت- ويتخذها ذريعة لبث الكراهية والفرقة، ونحن في وقتٍ أحوج ما نكون إلى لمِّ الشمل والاتحاد والتوحد؟".

 

إن اختزال كلمات من سياق ذكرت فيه منذ ستة عشر عامًا خروجًا على خصوصية الزمان، والمكان، والحدث الذي قيلت فيه، إنما هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وإلا فلماذا لم يذكر هؤلاء أنني كنت أول مَن رفض وشجب، وعارض الغزو اللعين لشعب الكويت المسلم الآمن؟
بل، وعرضت إن نذهب للدفاع عنها مضحين بأنفسنا لله- عز وجل- أم إن عين السخط عن كل خير كليلة؟، حسبي الله ونعم الوكيل.

 

أُحذر مَن يسعى جاهدًا لمنعي كداعيةٍ إلى الله من الدعوة في الكويت الحبيب، أو يوقع بيني وبين شعبها، أو يهددون من يوجهون إلى الدعوة.. أُحذره من غضب الله عليه؛ لأنه منَّاع للخير، ومحارب للدعوة، وأُذكره بأن حسابي معه أمام الله يوم تبلى السرائر.

 

كلمة أخيرة أقولها إلى شعب الكويت الحبيب الشقيق، والله إني أحبكم في الله، ولا أنسى كرمكم ولا فضلكم عليَّ شخصيًّا، وعلى دعوة الله والدعاة، ولن يستطيع أحد أن يوقع بيني كداعيةٍ إلى الله وبينكم، وإن بدر مني في حقكم ما يوجب الاعتذار، فأنا أعتذر وبشدة، وأسأل الله أن يقيل عثراتنا ويستر زلاتنا في الدنيا والآخرة، ولله الأمر من قبل ومن بعد هو حسبي ونعم الوكيل.

 

****

وأخيرًا أقول للأستاذ الكبير.. العالم الجليل وجدي غنيم يا أخي الحبيب، لقد ذكرتني بالآية الكريمة التي جاءت على ألسنة أعداء الحق والخلق والمثل العليا ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية 56).

 

كما ذكرتني- وأنت الأديب الأريب- بقول المتنبي:

إذَا تَرَحَّلتَ عنْ قوم وَقَدْ قَدَرُوا =

    أنْ لا تُفَارقَهُمْ فالرَّاحِلُونَ هُمُ

 

ويكفيك- يا أخي الحبيب- أنك تعتبر من أغنى أغنياء العالم!! ورصيدُك ليس إلا الحب والتقدير في بنوك القلوب، وإذا أحبَّ الله عبدًا حبَّـبه، ويكفيك أن شعارك- قولاً وفعلاً، وعملاً وسلوكاً- كان وما زال قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: من الآية 162)، والبقاء للأصلح على المدى الطويل أيها الأستاذ العظيم، وقد قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47).

--------------

* komeha@menanet.netl