إذا تجمَّعت الدنيا على المسلمين من كل حدبٍ وصوبٍ، وإذا اجتمع الكارهون للإسلام ليضيقوا عليه، ويُلْجئوا أهله في ركنٍ بعيد، وزاويةٍ ضيقة تتصل بالمشاعر والشعائر فقط؛ أي تطبيق توجيهات العلمانية في أبرز صورها، وهي فصل الدين عن الحياة أو فصل الدعوة عن السياسة، أو ترك ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، إذا حصل ذلك كله وهو بالفعل حاصلٌ وواقع، فما على المسلمين أو فئة منهم وطليعة من طلائعهم إلا أن تُعيد ترميم حياة المسلمين، وتلمَّ شعثهم، وتجمع شتاتهم وتعيدهم إلى الفهم السليم للإسلام، وتحدث نوعًا من التصالح بين الناس وبين هذا الإسلام وضرورة أن يعودوا إلى الأصول الثابتة الراسخة له، يعودوا إلى كتاب الله عزَّ وجل وسيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وعمل السلف الصالح، ولا يكون ذلك في عالم العلم والفقه والدراية فقط، إنما لا بد أن يتمثل في واقعٍ حي، في نماذج بشرية تتمثل قيم الإسلام وموازينه وأخلاقه.
وطبيعة الإسلام الذي أكرمنا الله بالانتساب إليه والعمل له، تتسم بخاصيتين:
الأولى: أنه غير قابل للتطويع؛ بمعنى أنه لا يلين ولا ينثني، إذا تعرَّض لنيران وهجمات قاسية من خصومه، وليس كقطعة الحديد إذا وضعت في نار حامية، ثم تعرَّضت بعد ذلك للطرق الشديد فإنها تتشكل بعد ذلك وفق ما يريده الطارق أو الضارب، الإسلام غير ذلك تمامًا، والمواجهة مع خصومه لا تزيده إلا قوةً، وتعمقًا في نفوس أبنائه، وصلابةً في جذور شجرته وفروعها، فهو دين رب العالمين إلى الدنيا كلها إلى قيام الساعة، وهو محفوظٌ بحفظ الله له، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر)، وهذا الحفظ يتمثل في حفظه مكتوبًا في المصاحف وفي الصدور، فهو ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ (فصلت)، ويتمثل الحفظ كذلك في أن يقيض الله عزَّ وجل مَن يحمله ويدعو إليه، ويجاهد في سبيله حتى يظهره الله، ويتحقق وعده الذي لا يتخلف.
والثانية: أن الإسلام غير قابل للتبعية؛ بمعنى أنه لا يرضى أن يكون تابعًا لغيره من الملل أو الأيديولوجيات أو المذاهب والأديان، وطبيعي هنا أن نشير إلى آية "الخيرية" ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ (آل عمران: من الآية 110)، ولا يستحق المسلمون هذه الخيرية إلا بشروطها وضوابطها، وهي ليست صكًّا أو عقدًا لكل المسلمين حتى ولو كانوا في ظروف وأحوال لا يستحقونها، وكانوا بعيدين عن مرضاة الله، وغير جديرين بحمل أمانة هذا الإسلام، وممثلين حقيقيين له.
والواقع أن البشرية قد ذاقت ويلات الحضارة المادية، وأن الاعتماد على معطيات هذه الحضارة بلا روحٍ ولا قيم، إنما يعذب الإنسانية ويقضي على كرامة الإنسان، ويؤكد أنه لا بد من مخلِّص ينقذها مما هي مقبلة عليه، ولا خلاصَ إلا بالعقيدة الصالحة والمنهاج الصالح المتكامل بالإسلام.
وهذه التبعية التي يرفضها الإسلام هي سر بقائه حتى الآن ثابتًا شامخًا، وهذه الممانعة هي التي أبعدته عن عوامل الهدم أو التحريف أو التأويل التي كثيرًا ما حاولها أعداء الإسلام من الاستعمار أو أشياعه وأهل التغريب والمروجين له.
وكنا قد أشرنا في المقال السابق إلى ما كتبه الأستاذ زين العابدين الركابي، الكاتب السوداني، في جريدة "الشرق الأوسط" بتاريخ 15 سبتمبر 2007م، تحت عنوان "الإسلام غير قابل للنفي والاجتثاث"؛ حيث بيَّن بعد استعراضٍ تاريخي أن أعداء الإسلام قد بيتوا النيةَ على اجتثاثه، وأخرجوا نيتهم هذه في صورٍ عمليةٍ وكانوا يعلقون آمالاً كبارًا على تحقيق أهدافهم وغاياتهم هذه.
ولكن محاولاتهم هذه قد باءت بالفشل والخسران لأسبابٍ كثيرةٍ متصلة جميعها في طبيعة هذا الإسلام واستعلائه على كلِّ عوامل الإفناء والإجهاز أو التغييب والإبعاد.
ويذكر الكاتب أن المكسب الوحيد الذي حصل عليه خصوم الإسلام هو "اليأس التام" ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ (المائدة: من الآية 3)، أو الانتحار بشنق أنفسهم بالحبال مثلاً ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)﴾ (الحج).
وقد يبدو للنظر السريع أن خصوم الإسلام قد كفوا أيديهم وتركوا المسلمين وشأنهم، وأنهم قد وصلوا إلى حالة اليأس الكامل كما تشير الآية الكريمة وهي صادقة، ولكن الواقع في هذا الزمن الذي نعيشه أنهم لم يتوقفوا عن عداوتهم، بل إنهم يجددون في الوسائل والأحابيل الشيطانية التي يحيطون بها المسلمين، وأن هيمنتهم على كل الشعوب الإسلامية ما تزال ماثلةً للعيان، تارةً بالغزو العسكري، وتارةً بامتلاك ناصية الجوانب الاقتصادية والفكرية والثقافية والتعليمية، واصطناع العملاء والحكام الذين يفعلون بالمسلمين أكثر مما يفعله الخصوم من تغيير هوية الأمة وإثارة الفتن والقلاقل في حياتها، وإبعادها بكل الحيل والوسائل عن دينها ومنهج ربها، ومحاربة الداعين لعودة المسلمين إلى شريعتهم التي فيها عزتهم وأسباب نهضتهم.
والمعركة العنيفة مع المسلمين ما تزال قائمةً، ولم ييأس الأعداء بعد، وهي ما تزال سجالاً ودماء المسلمين ما تزال تسيل أنهارًا في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال ودارفور، وقبل ذلك في البوسنة والهرسك والشيشان وكمبوديا وتايلاند وسيلان.. إلخ.
وهذا كله ما نُطلق عليه الحروب الضارية الساخنة الدامية، التي ما يفتأ العالم الإسلامي مكتويًا بنارها ملتهبًا بشرارها ولهيبها، لا يكاد الخصوم ينهون معركة في بلدٍ من بلاد المسلمين حتى يعدوا العدةَ لالتهام بلد آخر مع اختلاف الحجج والذرائع، ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد بل يدير الخصوم حربًا باردةً أشد خطورةً وأبعد مكرًا، وهي ما يمكن أن نطلق عليها الغزو الفكري والثقافي، وقد حدثت عبر قرون متعاقبة، وهي حروب ابتدرتها وقادتها جيوش الاستشراق التي تخصصت في هدم كل شيء ذي علاقة بالإسلام والقرآن والسنة من العقيدة إلى النحو.
وشهادة التاريخ الموثق تقول إن ذلك كله قد سقط واندحر، وأن الإسلام عاش وبقى وواصل مسيرته بثباته، ومع ذلك نقول إن المسلمين لا يزالون بحاجةٍ إلى الوعي بخطط الخصوم، وفهم أبعاد ما تنطوي عليه إستراتيجيتهم؛ حيث يعتبرون الإسلام هو العدو الأوحد بالنسبة لهم، وأنهم عندما يتعقبون الإرهاب إنما يقصدون الإسلام حقيقةً، فالإرهاب عندهم هو الإسلام، وهما- أي الإسلام والإرهاب- وجهان لعملة واحدة، وهذا ما يجب أن يكون مستقرًّا في وعي ووجدان كل أجيال المسلمين.
وليس من السهل سلخ المسلمين عن دينهم وإبعادهم قسرًا عنه، ونموذج الشعب التركي خير شاهد؛ حيث حاولوا حجب الإسلام عنهم، وقد مرَّ على ذلك أكثر من ثمانين عامًا، وانتهى الأمر بعودة الشعب التركي إلى ربِّه وإسلامه، باقتناعٍ حُرٍّ، واختيارٍ حُرٍّ، وظهر ذلك جليًّا في صناديق الاقتراع في متوالية متصاعدة النسبة وخط بياني متجه إلى أعلى دومًا، ويعني ذلك أن الشعب التركي قد عاد إلى تطبيع علاقته بممارساته الدينية دون سرية، ولا حرج، ولا خجل، ولا اتهام، أما الدولة فلها حساباتها وظروفها وعليها قيودها المفهومة.
وهناك تجربة إلحادية كاملة مارسها الاتحاد السوفيتي سابقًا، مرتكزةً على صبِّ مفاهيم الإلحاد صبًّا هائلاً في مناهج التعليم من رياض الأطفال إلى الدكتوراة، وفي برامج الثقافة، والفكر، والإعلام، والتوجيه، وفرضت على جميع شعوب الاتحاد السوفيتي بقوة القانون والدستور والحزب والجيش وأجهزة البوليس السري، فماذا كانت الحصيلة؟، الحصيلة هي عودة المسلمين إلى إسلامهم بشغف وجد وهمة، وظهر فيهم مَن يحفظ القرآن أو أجزاء منه، وهنا يتبين أن في الإسلام قوة ذاتية تستعصي على النفي وتستعلي على كل وسائل الهدم والإقصاء.
وبعد...
فهل يرتفع الجميع- شبابًا ورجالاً- إلى المستوى العظيم الذي عليه الإسلام من صلابةٍ وقوةٍ وثباتٍ، ونتخذه منهجًا وبرنامجًا في هذه الحياة، نسعد به، ونُسعد به البشرية جميعًا، ولا ندخر وسعًا في العمل له ونصرته بكل ما نملك من طاقة ومواهب وإمكانات، ويكون هو سبيلنا إلى سعادة الدنيا وجنة عرضها السماوات والأرض في الآخرة؟.