لقد هالني ما رأيت وما قرأت في وسائل الإعلام من تضخيم هوة الخلاف بين الإخوان، وخاصةً بين القيادات، والبعض يصور الخلاف على أنه صراع، وأن الجماعة أوشكت أن تتصدع بسبب كثرة الخلافات في الرؤى، وأُصيب بعض شباب الإخوان بصدمةٍ من هول ما سمع أو قرأ، وهو لا يدري مَن المخطئ ومَن المصيب، خاصةً أن الخلاف (المزعوم) بين القيادات.

 

ولكن الواقع عكس ذلك؛ فالصحف ووسائل الإعلام تعمل من الحبة قبة، وتصور الخلاف في الرأي على أنه صراع، وما أجمل ما قاله أستاذنا سيد نزيلي: "ليس هناك خلافات بين الإخوان، وإنما هي رؤى، وهذه الرؤى تسعى إليها الجماعة، وينتهي الأمر إلى اختيار الجماعة، وبعض الناس ينظرون إليها على أنها علامة صحة وليست علامة مرض، وليقل كلٌّ رأيه، وهذه مكرمة للجماعة، وليس هناك صراع أو صدام؛ لأن الكل في النهاية ينزل على الاختيار الذي تختاره الجماعة، فقهيًّا أو سياسيًّا.. الكل يتحرك وفق توجه الجماعة، ولا يصح إلا الرأي الذي تجمع عليه الجماعة".

 

إذن فالخلافات في الرأي علامة صحة، وتأتي دائمًا في جوٍّ من الحب والأخوة والمودة، وهذا ما لمستُه عند إخواننا القيادات، ولكن بعض وسائل الإعلام تصوره صراعًا.

 

والخلاف في الرأي سنة كونية، وقد اختلف الصحابة واختلف التابعون، ولكن كان يحكمهم الشورى، وكان اختلافهم لا يؤدي إلى شحناء أو حقد، وإنما كانوا دائمًا يحرصون على جو الحب الموجود بينهم، وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وقوله: "ما حاججتُ أحدًا إلا تمنيتُ أن يجري الحق على لسانه".

 

يا الله.. انظروا يا إخواني إلى هذه الدرجة التي وصل إليها الإمام الشافعي؛ يجادل ويناقش ويتمنى أن يكون الحق مع الطرف الآخر ليستفيد منه ويتعلم منه، يناقش وهدفه الوصول إلى الصواب، وليس هدفه إفحام الخصم والانتصار عليه.

 

وهذا ما نود التأكيد عليه أن نتحاور ونتناقش وروح الحب والأخوة بيننا، لا تنفصم مهما اختلفنا في الرأي، فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

 

وقد حرص الإمام البنا- رحمه الله- أن تظل عرى الحب والأخوة متينة بين الإخوان، حيث يقول في رسالة التعاليم عن ركن الأخوة: "وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب: سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9).

 

والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه؛ لأنه إن لم يكن بهم، فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، "وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، "والمؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا"، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة:71)، وهكذا يجب أن نكون".

 

ولا بد أن نعلم أن نجاح الدعوة يبدأ من ترابط الصف ووحدة القلوب بين أبنائه، وقوة رابطة الأخوة بيننا، وقد بيَّن الإمام الشهيد أن أقل درجات الأخوة أن يكون صدرك سليمًا لإخوانك، تحسن الظن بهم، لا غلَّ ولا حقدَ ولا حسدَ في صدرك تجاههم، وليس بعد ذلك مثقال ذرةٍ من حب أو أخوة إن لم يكن صدرك سليمًا لإخوانك، أما أعلى درجات الأخوة والحب فهي الإيثار، وما بين سلامة الصدر والإيثار مراتب ودرجات.

 

وإذا ترابط الصف وصفت القلوب فلن يستطيع أحدٌ مهما كان أن يزعزع هذا الترابط، أو أن يُفرِّق بين أبناء الصف الواحد، فنحن لم يجمعنا منصب ولا جاه، وإنما جمعنا الحب في الله والعمل من أجل نصرة دينه، الكل حريصٌ على رفع لواء الحق، ونشر الدعوة في ربوع الأرض.

 

فلنواجه المتربصين بنا وبدعوتنا الكريمة بسلاح الحب، ولنوثق رابطة الحب والأخوة فيما بيننا، ونعمقها أكثر وأكثر، وليفتش كل أخ منا في نفسه ويسألها: هل أنا أحب إخواني؟ هل صدري سليمًا لكل إخواني؟ هل عندما أختلفُ معهم يكون الاختلاف من أجل مصلحة الدعوة؟ هل عندما يختلف أخ معي أحسن الظن به وأحترم رأيه؟ هل أحقق ركن الأخوة الذي بايعت عليه؟ هل وصلتُ إلى أعلى درجات الأخوة مع إخواني وهي مرتبة الإيثار؟

 

كل هذه الأسئلة يجب أن يوجهها كل أخ منا إلى نفسه، وليفتش في عيوب نفسه وليصلحها، وليعمق عاطفة الحب في قلبه لإخوانه حتى ينصرنا الله عز وجل، ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون.

---------
*fawzimansor@yahoo.com