حينما كانت عائلات بأكملها تبكي فقدان شباب في مقتبل العمر غرقوا اغترابًا أمام السواحل الإيطالية- كما يحدث دائمًا- كان مفتي مصر يخرج عن اللياقة المطلوبة في مثل هذه الظروف ليلقي هؤلاء بزعمه في التهلكة، ويتهمهم زورًا وبهتانًا بالطمع والجشع، ويؤكد أنهم ليسوا فقراء لامتلاك كل منهم 25 ألفًا، كان بمقدوره أن يستثمرها في مشروع تجاري يدرُّ عليه الأموال والنعم ويوفِّر له المغنم والمأكل والمشرب!!.

 

ولا أدري لماذا يخاطبنا الشيخ دائمًا بالعموميات؟ ولو أرهق نفسه قليلاً في البحث "من أين وفَّر هؤلاء المال الذي أرداهم؟!" لما كان أصدر فتواه، ولو قرأ عن أحوالهم لصمت!!.

 

أسئلة كثيرة في هذه القضية ربما تحتاج إلى إجابات!! ما هي الأسباب الحقيقية وراء تكرار مثل هذه الحوادث؟! وماذا فعلت الحكومة لكي تقضي على هذه الظاهرة؟! وكم شبكة تسفير غير شرعية استطاعت الحكومة  تفكيكها؟ وكيف خرج هؤلاء من الإسكندرية على متن لانش لاستقلال المركب الغارق من عرض البحر؟ ولماذا لم يجدوا مَن يعترضهم ويمنعهم؟ وهل شواطئنا ومجالنا البحري بلا ضابط أو رابط؟! وهل هذه المأساة ستمنع تكرار محاولات الهجرة غير الشرعية مستقبلاً؟ هل تتحمَّل الحكومة وزر هؤلاء؟!

 

أسئلة كان يجب على المفتي أن يتوصَّل لإجابات لها قبل أن يضع فتواه!! لكن اللافت للنظر هو التعامل المتهافت واللا إنساني للحكومة مع هذه الكارثة تحديدًا، وهو أمرٌ ليس بالجديد عليها، فهل كان يتوقع مثلاً أن تهتزَّ الحكومة لغرق عشرات الشباب قضوا وهم يهاجرون بطريقة غير شرعية؟! ثم ألم تكن مشغولةً بالمؤتمر السنوي لحزبها..؟! المؤتمر الذي هزَّ القاهرة وأصابها بالشلل والاختناق إجرائيًّا، وجعل السوقة والعامة يستيقظون فجائيًّا، حتى قال أحدهم في تقرير لقناة (الجزيرة) الفضائية: "منذ 27 سنة يعقدون مؤتمرات، ويعطوننا وعودًا ولا نرى شيئًا، حتى برنامج الرئيس في الانتخابات لم يُنفَّذ منه شيءٌ.. البلد تسير من أسوأ إلى أسوأ".

 

هذه الحكومة التي غرق المئاتُ من أبنائها وهم عائدون من غربتهم في البحر، فلم يهتزَّ لها طرف، وتركتهم ساعاتٍ طويلةً في العراء بين الأمواج وأسماك القرش والظُّلْمَة والبرد!! بعد أن غرقت بهم العبَّارة!! ثم سهلت للقاتل الفرار!! كما سهَّلت له من قبل الاستئثار بالبحر والنقل والبشر.

 

ألم تكن العبَّارة تسمى (السلام)؟! أليس هذا كذبًا وافتراءً؟ أكثر من 1300 من الأطفال والنساء والشيوخ قُتلوا وقُطِّعوا تقطيعًا ومثَّلت كائناتُ البحر بأجسادهم.. هل ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة؟! هل أعطى المفتي فتوى في هذه القضية تجرِّم القاتل والمتسبِّب والمعين والشريك والمتواطئ والمهمل؟! أم كانت القضية مبهمةَ الأسباب والدوافع، فلم يشأ الإمام أن يعطِيَ فيها رأيًا راجحًا!!.

 

ما الذي بظنكم دفَعَ هؤلاء لمثل هذه المجازفة الخطيرة، وقد سمعوا قصصًا وحكاياتٍ مرعبةً عن آخرين، سبق إليهم الموت قبل أن يصلوا بأمان إلى شاطئ أحلامهم؟ هؤلاء فرُّوا من مصر تحديدًا كما قالت أخت أحدهم: "كل شباب القرية يعلمون جيدًا المخاطر التي يمكن أن يتعرَّضوا لها أثناء السفر، ولكنهم يخاطرون بحياتهم لأنهم لا يملكون غير الحلم ولا يجدون في بلدهم البديل".

 

فرُّوا من الفقر والجوع والمرض والغلاء والجشع والاحتكار والبطالة!! اختاروا الموت كرهًا بعد أن خُيِّروا بينه وبين البقاء في أرض فقدوا فيها كل مقومات الحياة، قصَّر صغار، عالة، وراء كل منهم حكاية تنسجها مأساة درامية تدين الواقع، كل الواقع ورجاله، غرقوا، ومن نجا منهم رفض الاعتراف بمصريته!!.

 

ثم.. أليست المجاهدة والبحث عن الرزق الحلال جهادًا؟! أيضًا ألم يكن أَوْلَى للمفتي أن يدلِيَ بدلوه في قضايا أخرى، كالاحتكار والغلاء والفساد والقتل العمد، داخل أقسام الشرطة، ودهس الفتاة وتحطيم ضلوع الشاب؟!

 

ألم تكن هذه القضايا وغيرها التي تمتلئ بها صفحات الصحف أَوْلَى بفتاوى الإمام ورأيه وبحثه بدلاً من فتاوى إيطاليا والفرار بعد العمرة لانتظار الحج والتبرك!!

 

في أحيان كثيرة أشعر أن بعض الفتاوى مسيسة لا يقصد بها وجه الله، وأن التشدد في قليلها يعقبه تشدد في كثيرها!! وفي أحيان أخرى أفكر لماذا هبَّت النخب لرفض هيئة كبار العلماء التي جاءت في برنامج الإخوان؟! أعتقد أن الإجابة لا تخفى عليكم، فما يُطْرَح من علماء السلطان لم يكن مشجعًا!!.