شعبان عبد الرحمن

يعيش الصحفيون المصريون أجواءَ انتخابات مجلس نقابتهم الجديد، ومع اقتراب موعد الاقتراع تزدادُ الأجواء- كالعادة- سخونةً، ولندع مشاهد تلك الأجواء تعبر عن نفسها، لكنني أتوقف عند الأهم في المسألة الصحفية، وهو: حرية القلم في التعبير، وشعور صاحبه بالأمان عندما يمسك بقلمه.
وأعتقد أن تلك القضية شغلت مجلس نقابة الصحفيين السابق كثيرًا، وستظل هي الشاغل الأول للمجلس الجديد، ناهيك عن أنها قضية قديمة متجدِّدة، وستظل حاضرةً على الساحة الصحفية طالما بقي الأساس مفقودًا، أي بقيت الأجواء السياسية آسنةً وعقيمةً، والبيئة الاجتماعية مضطربة.
فالحالة السياسية والحياة الاجتماعية تسهمان إلى حدٍّ كبيرٍ في صناعة الأجواء التي يفكِّر فيها الكاتب، وطالما بقيت الأوضاع السياسية تُلقِي في أيدي السلطة كلَّ الصلاحيات وكل أنواع القوة، بما يجعلها تفصِّل الحرية على مقاسها هي، وطالما بقيت الأوضاع الاجتماعية ملبَّدةً بأزمات من كل لون وطيف؛ فإن الوطن- أي وطن- سيظل في حالة تنازع، بين سلطة تصرُّ على الاستحواذ على كل شيء، وتصمُّ آذانها عن الاستجابة لأي مطالب في هذا الصدد، وتيار يصرُّ على انتزاع حقه في التعبير عن رأيه وفكره.
وبين الحين والآخر، وكلما ضاقت السلطة أو شعرت بالقلق، تحرِّك آلتَها العقابية تهديدًا ووعيدًا، وتلك هي الحالة التي نشهدها اليوم في السجال الدائر بين مجلس نقابة الصحفيين الحالي ومعه تيار كبير من جانب، و"السلطة" ومعها رجال إعلامها الجاهزون دائمًا للقيام بالواجب من جانب آخر.
وقد أدى مجلس النقابة الحالي أداءً معقولاً، لكنه لم يتوصل بعدُ إلى نتيجة ملموسة مع السلطة، وسيكون على مجالس النقابة القادمة مواصلة الطريق؛ لأن القضية لن يتوصَّل إلى حلٍّ فيها مجلسُ أو مجلسان، طالما بقي الأساس مفقودًا، وهو الأجواء السياسية والاجتماعية الصحية، ولو توافر لنقابة الصحفيين عبر الانتخابات التي ستُجرى بعد أيام مجلسٌ أكثرُ انسجامًا وقوةً، لاستطاع مواصلة إدارة المسألة بكفاءة أكثر، ولتَوصَّل- عبر الوسائل المشروعة وبالتعاون مع كل الأطراف المعنية- إلى نتائج مُرضية.
وغنيٌّ عن البيان هنا أن نقطةً مهمةً غابت عن اهتمام مجلس النقابة الحالي خلال تبنِّيه الجيد لقضية الأحكام المتتالية بسجن بعض الصحفيين؛ فقد وقف بقوة مع الصحفيين المحكوم عليهم، باعتبار ذلك حربًا حكوميةً على حرية الصحفيين وحرية الرأي، بينما تناسَى تمامًا قضية الصحفيين الذين يُساقون إلى السجون ويودَعون فيها شهورًا، بل ويحاكمون أمام محاكم عسكرية (استثنائية) بلا ذنب اقترفوه، إلا أنهم يحملون فكرًا لا ترضَى عنه الحكومة!!
فالزميل أحمد عز الدين- مدير تحرير كلٍّ من (الشعب) و(المجتمع) السابق، انتُزِعَ من بيته، ومن بين أبنائه قبل أكثر من عام، وأُلقِي به في السجن، وحُوِّل مع غيره من شرفاء مصر إلى المحكمة العسكرية دون أن يكون قد صدرَ بحقه حكمُ محكمة، ودون أن يكون قد كتب مقالاً لم يعجب السلطة، أو أطلق إشاعةً أو سبًّا أو حتى خالف إشارة مرور!
ورغم ذلك فقد كان تحرك النقابة معه تحركًا روتينيًّا، وكان الأحرى بمجلس النقابة الحالي- وهو يتحرَّق دفاعًا عن حرية الصحافة وأمن الصحفي- أن يضمَّ قضية أحمد عز الدين (حيث لا قضية ولا تهمة واضحة) إلى قضية رؤساء التحرير الخمسة المحكوم عليهم في قضايا نشر بالحبس؛ حتى يكون دفاع المجلس عن حرية الصحافة متكاملاً وغير منقوص، ولو ضمَّ مجلس النقابة الحالي والقادم قضية أحمد عز الدين إلى قائمة الدفاع عن حرية الصحافة لعزَّز ذلك موقف النقابة؛ لأنها تتحدَّث عن شخص بريء جاء اعتقالُه وتقديمُه لمحكمة استثنائية دون قضية من الأصل، ولا يختلف اثنان على الظلم الواقع عليه.
لقد بدا أنَّ تحرُّكَ مجلس النقابة- الذي يوشك على الرحيل- في الدفاع عن حرية الصحافة منقوصًا، وأتمنى أن يتدارك المجلس القادم النقصَ، ويحملَ القضية متكاملةً، دون وجَلٍ أو تمييزٍ أو انتقائية.
----------
* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية.