د. حامد أنور

الدراما قد تكون فنًّا يحمل رسالةً، وقد تكون أيضًا من أخطر وسائل الانقضاض على قيم المجتمع وتغيير سلوكياته، وهذا ليس نوعًا من المبالغة أو الدعاية الفجَّة، ولكنها الحقيقة الغائبة.
إن الدراما تعود أساسًا إلى كلمة (دران)، وهي تعني باللغة الدورية (لغة اليونان أيام أرسطو) عملاً يؤدَّى، وتقوم على استقاء مادة من الواقع لتقدم عملاً جديدًا من مادة الواقع والحياة.
وخطورة الدراما تقوم على أساس أن طبيعة الإنسان تميل إلى التقليد والمحاكاة، وهي طبيعة إنسانية فطرية يتفق فيها الإنسان مع معظم الكائنات الحية؛ فالطفل يقلد والديه، والشباب يقلدون أحدث أنواع الموضة، كما تقلد الحيوانات في السيرك حركات مدربيها، كما أن الإنسان يستمد معلوماته عن الحياة والمعرفة والبيئة المحيطة من خلال المحاكاة.
والدراما من ثم يمكنها أن تخلق واقعًا جديدًا، خاصةً أنها تتعامل مع عواطف وأحاسيس النفس البشرية، وقد يصطدم هذا الواقع الجديد كثيرًا ويختلف مع الأسس السليمة للتربية، بل إنه مع دخول عنصر الصورة في السينما والتليفزيون أحيانًا يقدم صورةً مزيفةً وغير حقيقية لأحداث ومواقف المفروض أنها مدمرة، فتظهرها في صورة رائعة، ويضفي عليها كمًّا من البهجة تغري المشاهد بتقليدها، مثل مشاهد تعاطي المخدرات في الأفلام، ومشاهد الرقص والخيانة!!
يقول جاك ألول في كتابه الصادر عن مكتبة الأسرة بعنوان (خدعة التكنولوجيا)، موضحًا أثر التليفزيون وهو يقدم تلك الدراما بشكل مستمر: "لا يجوز أن نعتقد أن فيلمًا ما أو فيديو كليب باستطاعته أن يمارس نوعًا من الأثر السحري علينا، وبمقدوره ترسيخ صورة ما سيكون لها آثار محددة في اللا وعي؛ فنحن لا نعني هذا، ووفقًا لما يقوله جزكويل فهناك حديث أقل وأقل، وتلاعب أكثر وأكثر؛ فباستطاعة التقنيات تغيير الصورة تغييرًا كبيرًا، وإلغاء ما تحمله من رسائل؛ فالتليفزيون يضعنا في عالم من الزيف والخداع، مع الأخذ في الاعتبار قوة الصورة على إحداث الصدمات وخَلق التأثيرات.
هذه هي الحقيقة الوحيدة للقول بأن الصورة تساوي ألف كلمة؛ فحينما تفرض علينا آلاف الصور التي تحمل نفس الرسالة الرئيسية على اللا وعي الخاص بنا، تصبح في النهاية سطوتها مكونًا حاسمًا في مواقفنا وآرائنا (كتاب خدعة التكنولوجيا صفحة 402 ترجمة د. فاطمة نصر).
والمتتبع للدراما المصرية عبر تاريخها يجد أنها تركِّز دومًا على ثنائية غريبة، هي العلم والمال، وهي ثنائية متناقضة تقول لك عليك أن تختار: إما العلم ومعه الفقر، وإما المال وإن كان مصحوبًا بالجهل، وهي ثنائية عجيبة؛ فالمفروض في أي بلد محترم أن العلم يجلب المال، ويصنع الثروات والمهارات الفكرية، في أي إدارة هي أعلى مكوناتها، إلا أن الدراما المصرية كانت ترى العكس، وخرجت أفلام زمن حاتم زهران وانتبهوا أيها السادة وأهل القمة لنجيب محفوظ وصائد الأحلام والعديد من المسلسلات المصرية لتروِّج لتلك الثنائية، والتي عنصر الصورة وحده يسبِّب الإحباط والاكتئاب لكل العقول والعلماء؛ مما يدفعهم نحو الهجرة والنزوح إلى أرض الشمال.
وظهرت تلك الأفكار الدرامية بعد حرب أكتوبر وهزيمة اليهود، وتزامنًا مع الانفتاح الاقتصادي وسياسة دولة تتنكَّر لخريجي جامعاتها ومتفوقيها، وتدفعهم نحو غسيل الصحون والعمل في البنزينات.. لقد كانت حربًا ثقافيةً لتفريغ مصر من عقولها!!
كما رسَّخت بعض الأفكار الهدَّامة، كتمرد الفتاة على أهلها، والترويج للزواج غير المتكافئ لإشعال الصراع بين طبقات المجتمع ومداعبة أحلام البسطاء، وتنامي مشاعل التناحر الطبقي، فيتحول المجتمع كله إلى حلبة مصارعة يلهث الجميع نحو ثالوث: المال المنصب النساء، في تعارك محموم تغذيه الدراما دومًا بالمزيد والمزيد من الوقود الساخن.
-------------