الإخوة الأحباب..

تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

فأرجو الله تعالى أن تكونوا جميعًا في خير حال، وأن ينفع الله بكم وأن يُجري الخيرَ على أيديكم، وأن يَربطَ على قلوبكم ويشرَحَ صدورَكم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال..

 

إن منْعَ الإفطار المركزي هذا العام، الذي اعتاد الإخوان المسلمون على إقامته سنويًّا منذ أكثر من 15 عامًا، يعدُّ حلقةً من حلقات التصعيد تجاه الإخوان، ويأتي في سياق الهجمة التي بدأت عقبَ فوزِ الإخوان بثمانية وثمانين مقعدًا في مجلس الشعب، وتواصلت منذ نهاية العام الماضي بحملة إعلامية تحريضية، واعتقالاتٍ، وإحالةٍ لمحاكم عسكرية، وفرضِ حظرٍ على أموال الشرفاء من الإخوان، ثم بانقلابٍ دستوريٍّ يكرِّس للدولة البوليسية، ويجعل للأجهزة الأمنية السيطرةَ الكاملةَ على كل مقاليد الأمور، فضلاً عن انتهاك الحريات العامة والخاصة، وتهيئة المناخ للتزوير الكامل لإرادة الأمة، وإعداد المسرح للخطوات الأخيرة في عملية التوريث.

 

ولكي نحدد ملامح توجُّهاتنا في الفترة المقبلة، من الضروري أن نلفت الانتباه إلى الدلالات التي يرمز إليها هذا التصعيد المستمر، والتي يمكن أن تتضمن النقاط التالية:

أولاً: أن النظام برغم الضربات التي وجَّهها إلى الإخوان ما زال يشعر بمدى قوة الإخوان كفصيل سياسي ومجتمعي له حضوره ووجوده على امتداد الساحة المصرية، وأنهم- أي الإخوان- قادرون على التواصل مع كافة رموز القوى السياسية والوطنية في مصر، وأن حركتهم وتأثيرهم في الشارع السياسي أمرٌ لا يمكن إغفاله.

 

ثانيًا: أن النظام ماضٍ في نهجه تجاه الإخوان؛ من حيث التضييق والملاحقة، وتحجيم الانتشار، وعرقلة الحراك، ومحاولة تهميش دورهم في الحياة السياسية المصرية، وانظر إلى ما يحدث الآن- على سبيل المثال- في الجامعات المصرية لطلاب الإخوان!

 

ثالثًا: محاولة إيهام الرأي العام بأن النظام ما زال قويًّا، بيده قوةُ المنع والمنح، وأن له وسائلَه وأدواتِه القمعية في التعامل مع الشعب بعامة والمعارضة بخاصة، وفي القلب منها الإخوان المسلمون، الذين يتصدَّون للاستبداد والفساد، ويرفضون سيناريو التوريث، ولعل ما حدث في الأيام الأخيرة من أحكام قضائية، شملت عددًا من رؤساء تحرير الصحف وبعض الصحفيين، ليست بمنأى عن هذا المعنى.

 

رابعًا: أن النظام يريد جذبَ انتباهِ الرأي العام وإلهاءه بعيدًا عن المشكلات الحقيقية التي يمر بها الوطن، وفي مقدمتها الارتفاع الجنوني في الأسعار؛ بما يهدد السلم الاجتماعي، ومسألة بيع مصر (بنك القاهرة) وقضايا التعذيب في أقسام الشرطة التي هزَّت الرأي العام، فضلاً عن المشكلات الحياتية الدائمة التي هدَّت كيان المجتمع المصري؛ مثل البطالة، والإسكان، والنقل والمواصلات، والتعليم، والصحة، والتلوث البيئي.. إلخ.

 

الإخوة الأحباب..

مما سبق يتبيَّن أن هذا الوضع المضطرب سوف يظلُّ فترةً من الزمان إلى أن يتم انتقال السلطة ويُحسَمَ الموقف لصالح القادم الجديد، وساعتها سوف يكون لكل حادث حديث، وإن كنا نعتقد أن هذا القادم لن يغيِّر كثيرًا أو حتى قليلاً، والمتوقَّع أن يستمرَّ على نفس النهج، فالمناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي لا توجد هناك في الأفق مؤشراتٌ على تغييره ولو في المستقبل المنظور، إلا أن يشاء الله شيئًا آخر، كما أن الأمر ليس متعلقًا فقط بالأوضاع الداخلية وإنما هو أيضًا مرتبطٌ بالأوضاع الإقليمية والدولية.

 

إن النظام يعلم يقينًا- من خلال التجربة والتاريخ- أنه لن يستطيع استئصال شأفة الإخوان واجتثاث جذورهم، ومن ثَمَّ فقد رضي فقط بتحجيمهم.

 

وما أود التأكيد عليه هو:

أولاً: ضرورة تماسك وصمود وثبات الأفراد في هذه المرحلة، ولن يتحقق ذلك إلا بتحقيق الربانية على مستوى الفرد والمجموع في الفكرة، والأخلاق، والسلوك، والحركة، وفي كل ما تقومون به من عمل، وأن يكون التواصل مع الله في أبهى وأقوى حالاته؛ في العبادات والطاعات وفعل الخيرات، مع الاستعانة بالله تعالى وتفويض الأمر كله إليه.

 

ثانيًا: الحرص على الوحدة والارتباط فهي سرُّ قوتكم، والالتزام بتعاليم الإسلام؛ ففيها صلاح أمر الدنيا والآخرة، وتأكيد قيم التعارف والتفاهم والتكافل فيما بينكم؛ فهي أصل التماسك وسلامة البنيان، فضلاً عن القدرة على الحركة والانطلاق.

 

ثالثًا: ضرورة الحركة اليقظة المستمرة الواعية، وعدم الركون أو التراخي؛ فالحركة كما يقال بركة، كما أنها حياة وانتشار وإنجاز، هذه الفترة نحن أحوج ما نكون فيها إلى همَّة عاليةٍ، وعزمٍ شديدٍ، وإرادةٍ صلبةٍ قوية، وأمل مشرق.. مع الأخذ بزمام المبادأة وعدم التردُّد أو الإحجام، وأن يكون الإقدام شعارَكم والحكمة سبيلَكم، ستكون هناك تكاليف وأعباء.. لا بأس؛ فهذه ضريبة الدعوة ندفعها ونحن صابرون محتسبون.

 

رابعًا: ضرورة التواصل مع الجماهير في أي موقع أو مجال أو ميدان، وأن تكونوا مع الناس كالشجر تظلونهم وتمدونهم بأطيب الثمر، ستكون هناك عوائق وحواجز، حاولوا أن تتغلَّبوا عليها بكل الوسائل السلمية المتاحة، ولا ينبغي أن يعرف اليأس أو الإحباط طريقًا إلى قلوبكم، ولتثقوا في قدراتكم، ونبل فكرتكم، وعظمة منهاجكم، وأنه لا يصح في النهاية إلا الصحيح.

 

وفي الختام.. أرجو أن تتقبلوا وافرَ التحية، مع خالص تمنياتي لكم بالتوفيق والسداد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. وكل عام وأنتم بخير.

------------

* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.