المؤمن يجب أن يعيش عزيز النفس، رفيع الرأس، يستشعر استعلاء الإيمان الذي تصغر أمامه كلُّ صعوبة، وكلُّ محنة؛ لأنه يستقي عزته من أفقٍ علويٍّ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)﴾ (المنافقون)، وما كان للمسلم أن يطأطئ رأسه أمام أي إنسان، أو يخشى غير ربه، وعليه ألا تسجد جبهته إلا لله.

 

ولهذه العزة مقتضيات على المؤمن أن ينفِّذَها ويأخذ نفسه بها؛ يقول تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران: 139).

 

فالمسلمون هم الأعلون اعتقادًا وتصورًا للحياة وارتباطًا وصلةً بالعليِّ الأعلى، وهم الأعلون شعورًا وخلُقًا وسلوكًا، ثم هم الأعلون قوةً ومكانةً ونصرةً؛ فمعهم القوة الكبرى.. قوة الله سبحانه وتعالى؛ يقول تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)﴾ (محمد).

 

ومن مقتضيات عزة المسلم في وجهها السلوكي ما نجده في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ (المائدة: من الآية 54).

 

ومن مقضيات العزة رفض الظلم والخنا والاستسلام لذوي الجبروت والطغيان.

 

ومن مقتضياتها الاعتزاز بالقدرات والإمكانات الذاتية وإبرازها وتوظيفها عند الحاجة، فهو من قبيل ما يسميه علماء النفس: "اعتبار الذات"، ولا يكون ذلك من قبيل الغرور أو الكبر ما حَسُنت النية، وكان القصد وجه الله، والمصلحة العامة.

 

ومن مقتضياتها طاعة أمر الله، وأخذ النفس قولاً وعملاً بقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون خوف من الناس.

 

ومن مقتضيات العزة واحترام الذات اعتماد المسلم على نفسه في كسب رزقه بالعمل، والسعي في الأرض.

 

بهذه المشاعر الطيبة الدفَّاقة، وهذا السلوك السويِّ الإنساني الصادق الخير استطاع المسلمون أن يكونوا قوةً لها اعتبار، لا على المستوى المحلي فقط ولكن على المستوى العالمي آنذاك.
ويستشهد الإمام الشهيد بكثير من الوقائع التاريخية، وخصوصًا في مقام تفسيره للقرآن، وهو يقصد بإيراد مثل هذه الوقائع إلى تحقيق ما يأتي:

1- تأكيد المضمون القرآني، والمعطيات الإسلامية في مجال العقيدة والسياسة والمجتمع والأخلاق.

 

2- إثارة المشاعر الدينية، واستنهاض المسلمين لإثبات وجودهم، ونَيل حقوقهم، واحتلال المكانة اللائقة بهم، وذلك بربط الحاضر المعيش- وهو حاضر منكسر مقهور- بالماضي المجيد في عهوده الزاهية المنتصرة.

 

فبعد تصديره واحدًا من مقالاته بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 72-73) يقدم الرواية الآتية:
في عهد مضى أعاد الله علينا دولته قال الراوي: "دخلتُ القسطنطينية تاجرًا في عهد عمر بن عبد العزيز، فأخذت أطوف في بعض سِكَكِها حتى انتهى بي المطاف إلى فناء واسع، رأيت فيه رجلاً أعمى، يدير الرحى وهو يقرأ القرآن، فعجِبت في نفسي، في القسطنطينية رجل أعمى يتكلم العربية، ويدير الرحى، ويقرأ القرآن!! إنه لنبأ!! فدنوت منه وسلَّمت عليه بالعربية، فردَّ السلام، فقلت: من أنت يرحمك الله؟! ما نبؤك؟ فقال: أسيرٌ من المسلمين أَسَرَني هذا الروميّ، وعاد بي إلى بلده، ففقأ عيني، وجعلني هكذا أدير الرحى، حتى يأتي أمر الله، فسألته عن اسمه وبلده وقبيلته ونسَبه، وما كان لي من عمل حين عدت قبل أن أطرق باب أمير المؤمنين، وأخبره الخبر، فاحتقن وجهه، واحتدم غضبًا، ودعا بدواة، وكتب إلى ملك الروم:
"قد بلغني من الآن كذا وكذا، وإنكم بذلك قد نقضتم ما بيننا وبينكم من عهد: أن تسلموا كل أسير من المسلمين، فوالله الذي لا إله إلا هو، لئن لم ترسل إليَّ بهذا الأسير لأبعثن إليك بجنود يكون أولها عندك، وآخرها عندي، ودعا برسول، فسلَّمه الكتاب، وأمره ألا يضيع وقتًا في غير ضرورة حتى يصل، ودخل الرسول على ملك الروم، وسلَّمه الكتاب، فاصفرَّ وجهُه، وأقسَم أنه ما علم من أمر هذا الأسير شيئًا، وقال: لا نكلف الرجل الصالح عناء الحرب، ولكننا نبعث إليه بأسيره معزَّزًا مكرَّمًا، وقد كان".

 

وفي بيان بليغ آسِرٍ، يربط الإمام الشهيد هذه الواقعة بنكبة فلسطين، فيختم مقاله بالكلمات المتوهِّجة الآتية:

"أيها العرب والمسلمون، لم تعد المسألة مسألة أسير ولا أسيرة، ولكنها أصبحت أكبر وأضخم، وأجلّ وأعظم، إنها قضية الحياة والشرف والكرامة والوجود لشعب بأسره، احتضنته الأمة العربية كلها، وتظاهرت على نصرته جهود العالم الإسلامي في أقطار الأرض، ثم هي قضية مستقبل الأرض المباركة والمسجد الأقصى، ثالث الحرمين وأولى القبلتين.

 

فاذكروا فظائع اليهود الوحشية في قرية دير ياسين، وقرية ناصر الدين، وقرية أبو زريق.. وقرية ساريس، ثم اذكروا حيفا إحدى عواصم فلسطين الثلاث، واذكروا ما بعدها إن ظللتم قاعدين، ثم انظروا ما أنتم فاعلون؟ ولا يكن حظكم من الانتصار لهذه المواطن الذبيحة أن تصيحوا "واعمراه.. وامعتصماه..

-------

Komeha@Menanet.net

* (المقال بعنوان "واعمراه ...وامعتصماه", وقد نُشر في جريدة الإخوان المسلمين اليومية- السنة الثانية- العدد 609- 14 من جمادى الآخرة 1367هجرية- 23 من أبريل 1948م).