الطاهر مصطفى عثمان

 

عذرًا شيخنا الحبيب أن أقتحم عليك خلوتك بعد أن أصبحت بين يدي الله، فبعد رحيلك من دار الدنيا إلى دار البقاء، لا نقول فيك إلا ما يُرضي ربنا ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: من الآية 156) دعاؤنا لله موصول أن يرحمك رحمةً واسعةً، وأن يُسكنك فسيح جناته، وأن تكون من أصحاب اليمين من الذين يطوف عليهم ولدانٌ مخلدون بأكوابٍ وأباريق وكأسٍ من معين، وأن يُلهم أهلك وأحبابك الصبر، وأن يرزقنا أجرك، وأن لا يفتننا بعدك، وأن يعوضنا عنك خير ما عَوَّض الله أمةً بفقد عالمًا من علمائها الأجلاء، وخيرُ القول في هذا المقام كما قال خير البشر سيدنا محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندما مات ابنه إبراهيم: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، وإن لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، ونحن نقول إنَ لفراقك يا سيد نوح لمحزونون، اللهم أبدله دارًا خيرًا من دار ه وأهلاً خيرًا من أهله واخلفنا فيه خيرًا.

 

شيخنا الحبيب.. نم الآن قرير العين بعد أن أدَّيت رسالتك في الحياة وبلَّغت ما حُملت به من أمانةٍ ألا وهي أمانة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فقد كان نهجك في الحياة الدنيا قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (يوسف: من الآية 108) فكنت آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، المسلمون عندك سواسيةً لا فرق بينهم، فتقوى الله تبارك وتعالى هي المقياس والميزان بينهم، فلا اللون أو الجنس أو القومية تميز إنسانًا عن آخر، إنما التميز يكون بمدى قرب أو بُعد العبد من ربه.

 

شيخنا الحبيب لم ننس أبدًا عند صعودك على المنبر أن تُذكرنا بتقوى الله والخوف من الجليل والإخلاص في السرِّ والعلن وبالبيت المسلم، وكذا الروابط الأسرية والتماسك الأسرى فتتلو قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾ (النساء)، فإن كان من دلالةٍ في البدء بهده الآيات إنما تدل على أنك تعرف معنى تقوى الله حق المعرفة، وكنت تطبقها كما ينبغي، نحسبك كذلك والله حسيبك ولا نُزكي على الله أحدًا.

 

وقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾ (القمر) فعسى الله أن يجعلك من هؤلاء النفر الفائزين بالمقعد الذي وعد الله به المتقين الأخيار، وتقوى الله كما عرَّفها الإمام علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- "هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل"، ومن تقوى الله عز وجل اتخذت الوسطية منهجًا لك المنهج الذي ارتضاه الحق- عز وجل- لهذه الأمة فكنتَ وسطًا في مأكلك ومشربك وملبسك وفي صوتك وفي أحاديثك وفي آرائك وفي فكرك، ثم في إرثك الذي تركته من علومٍ في كتبك التي تُعد من أمهات الكتب، وعلى رأسها (آفات على الطريق)، وفي كل مناحي الحياة كانت الوسطية هي طريقك متبعًا قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143).

 

شيخنًا الحبيب أستسمحك وأستأذنك أن أقتحم عليك خُدر راحتك لاقتطف من بستان سيرتك العطرة زهرات، وليس هذا تطفلاً مني بل هو الحب "الحب" الذي غرست شجرته في قلوبِ محبيك وظللت ترويها من ماء عطفك وحنانك وأبوتك وأخوتك لجميع مَن عرفوك، حتى كبرت الشجرة وأصبح أصلها ثابت وفرعها في السماء، شجرة ظلها ظليل وهواؤها عليل وثمرها جميل، فلتكن أول زهرةٍ أقتطفها زهرة الحب.

 

الزهرة الأولى.. زهرة الحب

 الصورة غير متاحة

الشيخ سيد نوح

شيخنا الحبيب أبدأ بالحب الذي عرفناه منك وفيك، فقد كان هذا الحب في الله ولله، ولكن أقول أي نوعٍ من الحبِّ هذا الذي كنت تحمله بين جنبيك لأصحابك؟ حُبًّا قلَّ أن تجد له مثيلاً في وقتنا الحاضر؛ حبًّا صافيًا نقيًا طاهرًا لم تشبهُ شائبة ولم يكدره كدر، حبًّا لم يكن له غاية أو قصد أو هدف سوى الحب في الله، وأي حبٍّ هذا الذي لم يكن له حدود؟ وأي عاطفةٍ هذه التي وسعت الكثيرين ممن عرفوك؟ فقد كنت أبًا وأستاذًا لصغيرهم؛ وأخًا لِما فوق ذلك من العمر، وابنًا بارًّا لشيخهم؛ عرفتهم وعرفوك أحببتهم وأحبوك، وقد آثرت أن تجعل عاطفة الحب هي المفتاح الذي تفتح به قلوبهم جميعًا، ولو سأل سائلٌ كيف كانوا يعرفون من تحبهم حبك لهم؟ لقلنا كنا نراه ونتلمسه في كثيرٍ من حواس الشيخ وعواطفه وأحاسيسه من هذه العواطف والأحاسيس: "نظرات الشيخ".. النظرات قال عنها الفلاسفة: "إنها حروف ناطقة إذا كتب عليها الضمير رسمت على صفحات العيون".. كنا نرى الحب تفيض به نظرات عينيك الحانية وكأنما كتب عليها ضميرك.. أحبكم في الله... فرَسمت على صفحات عينيك ما يجول بخاطرك وإن لم تحرك به لسانك أو تنطق به بشفتيك، بهذه النظرات كنت تزيل الحواجز والسدود بينك من تحبهم فتفتح أبواب قلوبهم لك على مصراعيها.

 

شيخنا الحبيب، ومع كل هذا الحب الذي كنا نراه في نظراتك كنا أيضًا نلمح مسحة حزن في عينيك ونظنها حزنًا على ما آلت إليه أحوال أمتنا من تردٍ بسبب القِلة القليلة التي ضلَّت الطريق السويّ الصحيح فأخذت تلهث وراء سراب الوعود الكاذبة والكلمات المعسولة من أعداء الأمة فأخذوا يقدمون التنازل تلو الآخر حتى تمكَّن أعداؤها من الإمساك ببعض مُقدراتها، فكنت تنظر إلى ما صارت إليه أمتنا من ضياع واستباحةٍ لأرضها وعرضها بمنظارٍ مختلفٍ عمًّا ينظر به الآخرون، فكان يعكس هذا مسحة الحزن التي كنا نراها، ونشعر بها في عينيك، كنا نشعر أنك تعتصر ألمًا، وكأنَّ لسان حالك يقول لأحبائك كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لآل ياسر "صبرًا آل ياسر" .. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)﴾ (الشرح)، ومع كل هذا الحزن والألم كنا نرى الأمل كفلق الصبح لا يخفى على ذي لُبٍّ، وكان هذا التضاد مثيرًا للعجب، الألم لواقعنا الحاضر وما نحن فيه من ضعفٍ وهوان، والأمل في الله عزَّ وجل أن يأتي بالنصر.

 

وكنت ترى النصر قريبًا، ولكن لا بد للنصر من مقوماتٍ وأسباب علينا الأخذ بها فكنت تردد قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد)، كما كانت نظرتك لشباب الأمة أنهم عمادها؛ لذا لم تدخر جهدًا في بناء شخصية الإنسان المسلم وخاصةً الشباب؛ لأنهم المستقبل، ولم تنسَ ما فوق ذلك من العمر، فقد عملت على توسيع دائرة فكرهم حتى يكونوا عونًا وسندًا لشبابهم بخبرتهم وتجاربهم.

 

شيخنا الحبيب.. عمومًا أيقظت فينا الكثير وبصرتنا بأكثر مما خفي علينا، وعلمتنا الكثير من خلال كتبك وخطبك وأحاديثك ولقاءاتك وندواتك، فلم تدع مناسبة تمر وإلا جعلت منها عنوانًا لموضوع، تطرح فيه فكرة، أو تزيل فيه شبهة، أو تُرسي فيه قاعدة، فكنت تبذل جهدًا مضاعفًا في إرساء قواعد الدين وتُوضح سماحة الإسلام وتُزيل الشبهات وتبين الحقائق وتضع الأمور في مواضعها الصحيحة، وبهذا ضربت لنا مثلاً كيف يكون الحب.. وكيف يكون العطاء.. وكيف يكون التفاني.. وكيف تكون الأخوة في الله.. وكيف يكون السمو والترفع عن الصغائر.. وكيف تكون العزة بالدين.. وكيف يكون التشرف بالنسب لهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس.

 

الزهرة الثانية.. الشيخ نوعٌ فريدٌ من الرجال

شيخنا الحبيب أي نوعٍ من الرجال أنت؟ قال بعض محبيك إنك رجلٌ من زمن الصحابة، وقال آخرون يبعث الله رجلاً مجددًا للدين بين الحين والآخر، فبعثك مجددًا لهذا الزمان، بكل أمانةٍ وبكلِّ حق فقد كنت تحمل على هذا الجسد الناحل الذي أعياه المرض حِملاً ثقيل فكان تفكيرك وعملك اليومي كيف ننهض بأمتنا من عثراتها؟ وكيف نتصدى للهجمة الشرسة من أعدائها الذين أردوا كسر شوكتها وإصابتها بالخور والخنوع والضعف من خلال ضرب ثوابتها في أخلاقيتها؟ فلم تألو جهدًا في بيان هذا ولم يكن يعيقك المرض ولا التعب ولم تكل ولم تمل، فكنت "أمة" في جسد رجلٍ، ومن الرجال مَن يساوي أمة بنصِّ قول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (النحل: من الآية 120)، وكنت رجلاً بما تعني الكلمة من معنى، تمثَّل فيك قول الحق تبارك وتعالى: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب) فمِثلك قلَّ أن تجده له مثيلاً في هذا الزمان، ولكن من رحمة الله تبارك وتعالى أن أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- ولاّدة فلا يتركها الله بغير أُناسٍ صالحين أصحاب أيادي بيضاء فاعلين للخير عاملين لنُصرة دين الله وإعلاء كلمته.. إننا نختصر الكلمات ولو تحدثنا عن مناقبك لضاقت الصفحات خلاصة القول شيخنا الحبيب "أنت نوع فريد من الرجال" نحسبك كذالك والله حسيبك ولا نُزكي على الله أحدً.

 

الزهرة الثالثة.. الشيخ والمصافحة

شيخنا الحبيب كنا نلمس الحب في مصافحتك، فقد كنتَ سبَّاقًا بمدِّ يدك لمَن يصافحك وكنت تؤثر إلا أن تضع يدك الثانية فوق يد مَن يصافحك وكأنك تؤكد حبك له فتكون هذه اليد بمثابة البلسم الشافي الذي يداوي الجراح، أو كأنها الشريان الذي يضخ المحبة في قلب مَن تصافحه، كنا نشعر بيدك أثناء المصافحة كأنَّ فيها بركة العلماء الذين قال فيهم الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28)، كنا نشعر كأنها يد الأب والأخ والصديق والحبيب، كنا نشعر فيها بالحنان والمحبة وفتح الأبواب الموصدة بينك وبين مَن يصافحك، فهذه أيضًا من السمات المميزة لشخصك المميز.

 

الزهرة الرابعة.. الشيخ ورحلات الحج

أيام الحج معدودة، وهي أكبر مؤتمرٍ يُعقد كل عامٍ فتجد أقوامًا من المسلمين أتوا من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، ومن كل بقاع الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وجنسياتهم ومذاهبهم لتأدية مناسك الحج من الطواف ببيت الله الحرام والوقوف بعرفات الله.

 

ولكن دولة الكويت حقيقةً أن لها صفةً خاصةً ومميزةً في تسيير حملاتها إلى الديار المقدسة، فلم تكن تخلو حملة من الحملات من مرشدٍ ديني يُوضِّح للناس ما خفي عليهم من مناسك الحج ويفقههم في دينهم، وكان الشيخ حريصًا كل الحرص أن يكون من هؤلاء الذين يقدمون النصح والإرشاد لحجاج بيت الله الحرام.

 

ويذهب الشيخ مع حملةٍ معينة ولكن اسم الدكتور السيد نوح تسمعه في كل الحملاتِ، فقد كان الشيخ- رحمه الله- يأبى إلا أن يكون له حضوره في جميع حملات الحج الكويتية، وفي اعتقادي أن الشيخ كانت له رؤيته الخاصة ونظرة ثاقبة في توضيح ما خفي على كثيرٍ من الناس من سنن النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- وبيان سماحة الإسلام، وأن الإسلام دين الوسطية ويتحدث عن دور المسلم في المجتمع، وأن الله سبحانه وتعالى استخلفه في الأرض وكيف أن الله تبارك وتعالى جعل أمة الإسلام خير أمة أُخرجت للناس، وكيف استطاع أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- تأسيس دولة الإسلام؛ لذا قال عنهم النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".

 

عمومًا كنا نرى الشيخ مدعوًا كل يومٍ في أكثر من مكانٍ فيلبي الدعوات، وفوق كل هذا كان يجلس بعد صلاة الفجر في الحرم متحدثًا ومجيبًا على أسئلة الحجاج، بالرغم من ظروفه الصحية الخاصة، فكنا نُشفق عليه، وحينما كنت أراه أيام الحج كنت أتذكر "عبد الله بن المبارك" الرجل العظيم التابعي الجليل من السلف الصالح وما حكى عنه التاريخ أنه لما كان يخرج من مرو بخراسان إلى مكة ومعه حجاج بيت الله الحرام يسهر على راحتهم ويعظهم ولم يدع "عبد الله بن المبارك" مناسبة في الحج وإلا نصح الناس وأرشدهم وبيَّن لهم سنن النبي- صلى الله عليه وسلم- ودعاهم لتبليغ أهلهم وأصحابهم بما عرفوا.

 

الزهرة الخامسة.. موقف للشيخ

ومن المواقف التي تحسب للشيخ والتي تُبين مدى سعة صدره، ودماثة خلقه وأن الشيخ كان يتخلق بخلق القرآن وأنه كان متواضعًا تواضعًا شديدًا.. حدثني صديقٌ أنه في آخر مرةٍ يحج فيها الشيخ- رحمه الله- وقف في منطقة الجمرات مفتيًا لحجاج بيت الله الحرام بجواز رمي الجمرات قبل الزوال من باب "يسروا ولا تعسروا"، وحتى لا تتكرر حادثة التدافع التي حدثت في العام السابق والتي مات فيها كثيرٌ من الحجاج نتيجةً للازدحام والتدافع فوق جسر الجمرات، ولكن أثناء حديث الشيخ وقف حاج من الحجاج وكأنما إبليس الأكبر أوعز له أن لا تترك الشيخ يفتي كما يحلو له، فإذا بالرجل يقول للشيخ: نحن لا نقبل بفتواك، وتطاول في الكلام حتى وصل لشخص الشيخ، فقال: أنت السيد أو السيد نوح (أنت سيد نفسك)، ولم ينطق الشيخ بكلمةٍ حتى فرغ الحاج من كلامه، وإذا بالشيخ لم ينتصر لنفسه من الرجل بالرد على ما قاله في شخصه، إنما انتصر لله فقط فقال للحاج أتأذن لي بكلماتٍ قليلاتٍ وتقدَّم من الحاج، وقال له يا أخي الحاج أتظنني أني أتجرَّأ على الله وأُفتي بما يخالف الشرع ونحن بجوار بيت الله الحرام وفي مشعرٍ من مشاعر الله؟

 

طأطأ الحاج رأسه في خجلٍ وشعر الجميع بأن الحاج ندم على ما تسرَّع به من كلماتٍ في حقِّ الشيخ فأراد الشيخ أن يرفع عنه الحرج، فقال له: غفر الله لي ولك وسامحني وسامحك الله، وبعد قليلٍ صدرت فتوى من مجمع علماء السعودية بنفس فتوى الشيخ في التيسير تُجيز رمي الجمرات قبل الزوال بقليل، وكأنما أراد الله أن يربط على قلب حجاج بيت الله الحرام وينتصر للشيخ كما انتصر لله ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7).

 

الزهرة السادسة.. الشيخ ودور المرأة

ولم ينس الشيخ- رحمه الله- دور المرأة في المجتمع المسلم؛ لذا كان يعقد لهن ندوات ويعلمهن ويفقههن ويجيب على أسئلتهن ويشرح لهن دورهن في الإسلام كأم وأخت وزوجة وابنه وربة بيت، فكان الشيخ يُذكرهن بأمهات المسلمين وبالصحابيات الجليلات ودورهن في بناء الدولة الإسلامية، فالنساء هن شقائق الرجال عليهن الدور الأكبر في بناء المجتمع المسلم، فإن صلحت الأم صلح الجيل كله، كما قال الشاعر "الأم مدرسة إن أعددتها أعددت شعبًا طيب الأخلاق".

 

الزهرة السابعة.. حسن ضيافة الشيخ وكرمه

أما عن كرم الشيخ وحسن ضيافته فالحق أقول إنه لا يجاريه أحدٌ في كرمه، فإن كان لي أن أوجز في وصف الشيخ فأقول باختصار شديد هو (حاتميّ الكرم- عربي الشِيم- إسلامي القِيم)، وقد شرفت بدعوة الشيخ لي أكثر من مرة، شعاره الذي تشعر به إذا كنت ضيفه:

يا ضيفنا لوجئتنا لوجدتنا *** نحن الضيوف وأنت ربُ المنزلِ

 تجد الشيخ وأنت في ضيافته كريمًا جوادًا سخيًّا بشوشًا سعيدًا أنك ضيفه، لا يتركك أبدًا بدون أن يُقدِّم لك بيده شيئًا من أطايب ما على المائدة، يشعرك بأنه يُؤثرك بحبه وكأنك ضيفه الوحيد. رحم الله الشيخ بقدر ما أراد أن تَشيع المحبة والمودة بين إخوانه ومحبيه.

 

باقة ورد.. يوم ترجَّل الشيخ

شيخنا الحبيب إن يوم وفاتك لم يكن يومًا عاديًّا بالنسبة لمحبيك فقد كان آخر يوم يترجل العالم الجليل الشيخ الدكتور السيد نوح لمثواه الأخير، فعلاً كان موقفًا مهيبًا لم أرَ في حياتي موكبًا مهيبًا مثل هذا الموكب، فقد جاءت الجموع الذين عرفوا الشيخ وأحبوه من كل حدبٍ وصوبٍ ولمشاهدة جثمانه الطاهر لآخر مرة.. الجميع يتسابقون لحمل جثمان الشيخ على أكتافهم، ومن لم يستطع الوصول ليحمل الجثمان كان رافعًا يده مودعًا الشيخ على أمل اللقاء في الجنة بإذن الله تعالى.

 

في هذا اليوم لم يكن هناك موضع قدم في مصلى الجنائز أو عند المدفن رغم حرارة الطقس اللاهبة، الكثيرون ممن جاءوا مودعين لا أقول مشيعين تملأ الدموع أعينهم وهم يتلون بعض آيات كتاب الله ويبتهلون إلى الله الباري- عز وجل- أن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة.

 

شيخنا الحبيب يعلم الله أنه كان بداخلي شعور عجيب ينتابني وأنا أنظر إلى جثمانك الطاهر وهو مُسجى ليصلى عليه في المصلى وأيضًا وأنت محمول على الأكتاف، شعوري في هذه اللحظات الصعبة أنك تبتسم للجموع مودعًا كما كانت عادتك تودع أحبابك بابتسامتك المعهودة في كل مرة بعد انتهاء أي لقاء.

 

شيخنا الحبيب حقيقةً استطعت أن تكتب اسمك بأحرفٍ من نور في سجل الخالدين؛ وذلك بما قدمت في الحياة الدنيا، وسيذكرك التاريخ في صفحات ناصعة البياض، وسيسجلك في سجل أشرف الرجال وأعظم الرجال وأنبل الرجال، وستكون ذكراك بمثابة نفحت عطر يشتاق لعبقها مَن عرفوك عن قربٍ ومَن لم يعرفك إلا من خلال فكرك الذي تركته لتنعم به الأجيال من بعدك.

 

شيخنا الحبيب سنظل نذكرك ولن ننساك وإلى أن يجمعنا الله بك إن شاء الله سيظل الدعاء موصولاً لله أن يغفر لك ما تقدم وما تأخر من ذنوبك، وأن تكون في الدرجات العلا. شيخنا الحبيب إلى لقاءٍ إلى لقاءٍ إلى لقاء.

 

كلمة وفاء

إلى كلِّ مَن يقرأ هذه السطور من إخواني وأحبائي أقول ما كتبته عن الشيخ ما هو إلا النذر اليسير، وأعتبره زهرات من واحةٍ غناء عامرة بالورود حاولت أن أقطف من كل بستان زهرة وفاءً للشيخ- رحمه الله- رحمةً واسعةً على ما قدَّم من خير، وأنا أعتبر نفسي واحدًا من الذين أحبوا الشيخ وأحبوا فكره ووسطيته وبساطته فكان لزامًا عليَّ أن أكتب ما يدور بخلجات نفسي، وأرجو المعذرة إن كان هناك تقصيرٌ يغفر الله لنا جميعًا وهو أرحم الراحِمين.

------------

algndol@hotmail.com