بدأت أيام شهر رمضان وكعادتها التي لم تتغير، ما إن تحط رحالها ويظهر هلالها، حتى تلملم ساعاتها وترحل، وحتى لا تكون مختلفة عن أي لحظات حلوة، ها هي أيام رمضان تنفرط يومًا بعد يوم.

 

لذا دعنا نتساءل:

هل تشعر أنك اختلفت في رمضان عن قبله؟!

هل تشعر بلذة الطاعات والعبادات والقرب من الله؟!

هل هناك هِمَّة وَثَّابَة ونفس مُقبلة على الله وعلى العبادات والطاعات؟!

باختصار.. باختصار.. تُرَى هل وجدت قلبك في رمضان بعد أن مَرَّ أسبوع من أيامه؟!

لمن تكون إجابته "نعم": هنيئًا لك، أكمل واستمر، ولا تنسَ أن شهر رمضان ليس سوى محطة للتزوُّد، ولكنه أبدًا ليس خط النهاية، فلا زال أمامك طريق سفر طويل على مدار العام حتى تجد محطةً رمضانيةً أخرى في العام المقبل، إن قُدِّر لك الحياة، وتذكر جيدًا أن العبادة ليست هدفًا في حد ذاتها، وإلا فإنك بعد أن تكون قد حقَّقت هدفك في خلال الأسبوع الماضي فستَفْتُر عزيمتُك، فصلاة.. قد صليت، وقرآن.. قد قرأت، وقيام.. قمت، ودعاء.. دعوت، فما الجديد إذن لتستمر الهمة في الأيام المقبلة؟!

 

الجديد أن العبادات كلها هي وسيلة وليست غاية، وسيلة لأتقرَّب من الله كل يوم شبرًا، وأرتقي إليه سلَّمًا.. وسيلة لنول رضا الله وحبه، فتزوَّد جيدًا من هذه المحطة بزاد يُعينك على تحمل السفر ويضمن لك طول البقاء.

 

أما من كانت إجابته "لا" لم أجد قلبي بعد، وقلبه ينفطر على انقضاء أيام رمضان، وعينه تكاد تدمع وهي ترى ساعاته ترحل مسرعةً وهو لا يستطيع أن يمد يده لينهل بنصيبه منها، ومعنوياته منهارة وهو يرى المتسابقين قد شدُّوا الرحال وانطلقوا منذ زمن، وهو لم يعُد يلمح منهم إلا خيالاً وسراباتٍ لطول المسافة الفارقة بينه وبينه.

 

لك أنت يا مَن لم تجد قلبك بعد.. لك أنت أخي.. لكِ أنتِ أختي:

لا عليك، وهَوِّن عليك، حقًّا قد فاتكم خير كبير؛ فقد مضت ساعات وأيام من شهرنا العظيم، ولكن لا بأس فليس هذا وقتَ العتاب والحساب، أبدًا ليس هذا وقتَ البحث عن الأسباب التي أخَّرت انطلاقك وتحركك.. المهم الآن أن تنطلق وتتحرك.. ابدأ فورًا.. اشحذ همَّتك.. اصدق نيتك.. قَوِّ عزيمتك.

 

انطلق.. انطلق، ولا تجعل من المسافة الفارقة بينك وبين المتسابقين سببًا في تأخرك مزيدًا من الوقت، لا تبكِ على اللبن المسكوب في أيام قد مضت من شهر رمضان، لا تجعل الإحباط معولاً يقضي على أكثر من ثلثَي رمضان والذي ما زال متبقيًا، لا تجعل الحزن يمزِّق صفحات الخير المفتوحة التي تنتظرك وتمد أيديها إليك، لا تجعل دموع الحسرة تعميك عن رؤية ليلة القدر ببهائها وضيائها وهي تنادي عليك.

 

قم الآن.. الآن.. انفض عنك ذاك الهمّ والحزن، رمضانك سيبدأ الآن، رمضانك لم تنقضِ منه ساعات في غفلة، وبعد فرمضانك لا زال طويلاً، ولا زال به خير عميم وفضل كريم.

 

تقدم وانطلق.. تأكيدًا ستلحق الركب إن لم تسبقه، كُن صاحب النفَس الأطول، فكثيرون هناك قد ركنوا لطاعاتهم في الأيام الماضية واغترُّوا بها فحطُّوا رحالهم ليستريحوا.

 

تقدَّم وانطلق؛ فلقد سبقت السلحفاة الأرنب، وأنت أقدر على أن تسابق وتفوز بنفسك الجديدة النقية وقلبك المطمئن التواق والمشتاق لله.

 

تقدم وانطلق.. دعني أمسك بيدك.. انهض معي.. انفض عنك هذا التراب الذي أصاب روحك من كثرة الرقود على الأرض.. هيا بنا نتحرك:

1- جدد النية والعزم على حسن التوجه إلى الله وإخلاص العمل والعبادة له، نية صادقة مخلصة برغبة حقيقية ملحَّة أن تسابق في شهر رمضان لتنال من الله رحمته ورضاه ومغفرته والعتق من النار.

 

2- لا زلت لا تجد قلبك، رغم نيتك الصادقة؟! قم فورًا فورًا.. اذهب.. توضأ.. صلِّ ركعتين.. أطِل السجود.. لا تعلم ما تقول؟! تكلم بما في نفسك بوضوح.. خاطِب ربك.. ليس المهمّ اللغة أو العبارات الرنانة الجزلة.. ربك أكرم من ذلك، كلمه بوضوح وصراحة، حَدِّثه حديثًا ربما لا تُحدِّث به إلا نفسك ولا يعلمه أحد عنك.. أَقِرَّ بين يديه بذنوبك.. اسأله رحمةً ومِنَّةً.. توسَّل إليه أن يرزقك قلبًا فقد غاب قلبك.. تَضرَّع وتذلَّل إليه وقد صعُبَت عليك نفسك وأنت ترى الناس فرحين برمضان وأنت مفتقد للذَّته، غائب عن بهجته.

 

تضرَّع.. تذلَّل.. يا كريم.. يا رب العالمين.. أنت أدرى بحالي وتعلم سؤالي، يا كريم.. قد سبق المتسابقون وبقيتُ وحدي أتجرَّع ذُلَّ معصيتي وتفريطي، يا كريم.. الناس كل الناس تنعم برمضان ولذَّته، وأنا أعيش وحيدًا حبيس ذنبي وتفريطي، يا كريم.. مُنَّ عليَّ بتوبة وأوبة ورحمة.. افتح لي بابًا إليك يا فتاح.. وارزقني عبادةً تذلُّ بها نفسي إليك فيكون بها سعادتي.. ومُنَّ عليَّ بدمعةٍ من خشيتك أُطهِّر بها صحيفتي وأغسل بها حوبتي..

 

اترك الكلمات تنسال من لسانك كما تخرج، آنَ الأوان أن تشكو همومك وتحكي غمومك لخالقك، انكأ جراحًا لطالما تكتَّمْت عليها في قلبك وداخلك.. كُن على ثقة؛ فالكريم يسمعك، وسيُجيبك.

 

3- هيا تقدم وابدأ الحركة.. حتى وإن كنت بعد لا تجد قلبك.. "الله أكبر.. الله أكبر".. تحرَّك فورًا للمسجد والصلاة.. صلِّ السُّنَّة.. اقرأ قرآنًا.. ادعُ بحرقةٍ.. "قد قامت الصلاة.. قد قامت الصلاة".. أدِّ الفريضة.. وَاصِل الدعاء فأنت الآن في اتصال حي مباشر مع الرحيم الرحمن.. تذكَّر: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".

 

أمسك مصحفك.. اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت) نعم، اقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾ (الزمر) اقرأ وتدبر: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة) اقرأ وتشجع: "وعجلت إليك ربِّ لترضى".

 

ابحث عن أبيك.. عن أمك.. قَبِّل أيديهما وتذلَّل لديهما وقل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا.. ارفع سماعة الهاتف واتصل بقريبٍ وصِلْ رحمك، بارِك لهم بقدوم الشهر الكريم.. لا تعجَب.. نعم، هنِّئهم بالشهر الكريم فللتوِّ قد بدأ شهرُك.. ضع يديك في جيوبك.. جُدْ ولو بقروش بسيطة.. ابحث عن الخير أينما كان الخير وافعله.. أجِب النداء السماوي وهو يهتف ويهيب بك: "يا باغي الخير أقبل.. يا باغي الخير أقبل".

 

4- ابحث عمَّن هو مثلك قد تنكَّب الطريق وضلَّ الاتجاه، خُذْ بيده معك.. ساعده وعَرِّفه وكُنْ له قائدًا لطريق الله، عسى الله أن يرى همَّتك ويعلم صدقَك وحاجتَك، فيمُنَّ عليكما بقلبٍ وقبولٍ.

 

ما الأخبار الآن؟! هل تشعر بذلك التغير؟ نعم، صحيح.. الأمر حقيقي وواقعي.. قد بدأت تُروس قلبك في الحركة.. وبدأ الشراع يملأه الهواء، وتتحرك السفينة تجاه واحة من رحمات الله.. إذن لا تترك التجديف، فقد عرفت وجهتك، وبَانَ لك هدفك وغايتك.. إياك إياك أن تتكاسل أو ترتاح.. تذكَّر فقد فات ثلث شهرك، وما بقي وعدٌ عليَّ أن لا أُضيعه.

 

هيا أخي أبحر في بحر الإيمان والتوبة والرحمات والقرآن.. واحرص على ما بقي لك من شهر رمضان، فهو سفينتك للوصول إلى بَرِّ الأمان.

-------

* أمين اتحاد الطلاب الحر السابق بجامعة القاهرة.