ياه..!! كم هو جميل هذا القميص الذي اشتراه صديقي من الخارج!! أخذتُ أحدِّثُ أمي عن روعة هذا القميص وجماله، فطلبتْ مني أن أصفه لها، أخذتُ أُعدِّد لها مميزاته ومحاسنه، "لونه" الرائع الزاهي، "أساور" أكمامه العريضة، "أزراره" اللامعة، أيضًا "قماشته" الطرية اللينة، و"تقفيلته" المتقنة.

 

نظرتْ أمي بابتسامتها الحنون وأخبرتني أن لديَّ في "دولابي" قميصًا مشابهًا لهذا الوصف؛ بل يزيد عليه بميزتين؛ أن معه "بنطالاً" و"جوربًا" و"جاكت"، ومتناسقين تمامًا مع القميص، والميزة الأخرى أن المحل الذي تَمَّ شراء القميص منه وَضَّح لها إمكانية إضافة أي محسنات للقميص بحسب الاحتياج والرغبة.

 

سألتها عن "اللون" عن "الإسورة" عن "الأزرة" عن "قماشته" عن "تقفيلته"، أجابتني: "نعم، هي كلها ذات المواصفات التي ذكرتها في قميص صاحبك، واطَّلِع عليه بنفسك لتتأكد"، فكرتُ قليلاً ثم قلت لها: "هل هو من الخارج؟"، نظرت لي وقالت باندهاش: "لا.. ليس من الخارج، ولكن ما المشكلة في ذلك ما دام بنفس الكفاءة وهو بالفعل ملكك وموجود لديك؟!"، رددتُ: "عفوًا أمي أُرِيدُ قميصًا من الخارج مثل قميص صاحبي".

 

القصة السابقة هي في الحقيقة تمثل جزءًا من الإشكالية بين المشروع الإسلامي والأفكار والمشاريع والأطروحات الأخرى، فبالتأكيد لكل مشروع وفكرة جمالها ورونقها، فهناك مميزات للشيوعية ومن خلفها الاشتراكية، وهناك مميزات للرأسمالية، وهناك مميزات لليبرالية والقومية والعلمانية والديمقراطية، كل شيء من هذه الأفكار له ما يميزه، ولكن ماذا إذا كانت مميزات كل فكرة على حدة من هذه الأفكار موجودة بالأساس في مشروعٍ واحد؟! مشروع نملكه ونابع من ثقافتنا وديننا وهو "المشروع الإسلامي"، الذي يحتوي على مميزاتها ويتجنب مثالبها ومساوئها.

 

لستُ أقول هذا من قبيل التعصب للفكرة والمشروع الإسلامي، ولكنه حقيقة يدركها مَن ينظر للأمور بإنصاف وموضوعية بحتة حصل على هذا التميز والقرب من المثالية الواقعية، على الرغم من أنه اجتهاد بشري في فهم الإسلام كما يراه مقدموه وأصحابه، إلا أن تلك الأفضلية مرجعها أنه قائم على إرشادات ومبادئ وأسس وقيم ربانية، شرعها الخالق عز وجل لخلقه وهو أدرى بهم.

 

فإن كانت الشيوعية والاشتراكية تهدف بالأساس لإنقاذ الطبقات الكادحة وتوفير الحياة الكريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية، فهل هناك مثل الإسلام مَن رعى حق الفقراء وآخى بين طبقات المجتمع وساوى بين الغني والفقير، وشرع ضوابط تضمن للمجتمع التكافل والتعاون بين طوائفه وفئاته؟!

 

وإن كانت الرأسمالية تهدف بالأساس لتحفيز الاجتهاد والبذل والسعي الدءوب للإنتاج والتطوير وتحسين المنتج كمًّا وكيفًا، فالإسلام شجَّع الكسب والتميز وجعل لكلِّ مجتهدٍ نصيبًا، وحثَّ على إعمار الأرض واستخلافها، ولم يسوِّ بين العاملين والمتكاسلين.

 

إلا أنه قوم هذا الحافز بحيث لا تطغى المصلحة الفردية على الصالح العام، وبحيث يكون للمجتمع نصيب ولو قليل من مكاسب هذا المجتهد ليرعى طبقات الشعب المحتاجة والضعيفة، بل حثَّ على استثمار الأموال وعدم حبسها في البيوت حتى لا تأكلها الزكاة، وحذَّر من كنز الأموال والذهب والفضة وحرمان المجتمع من الفائدة منها بالإنتاج وبتشغيل الأيدي العاملة.

 

وإن كانت القومية تقوم على وحدة جماعة من البشر على أساس اللغة وتهدف لِعِزِّ هذه الأمة العربية بتوحدها وتعاونها فإن الإسلام دعا أول ما دَعَا لقوميةٍ أوسع وأعم من ذلك هي قومية البشرية جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13)، ولم يرَ الإسلام أبدًا حرجًا في أن تتكاتف الأيادي وتتوحَّد في أي مسعًى للخير ومواجهة الظلم، كان هذا التوحد مبنيًّا على رابطة العقيدة والإسلام، أو كان قائمًا على وحدة اللغة أو تشابه الجغرافيا.

 

وإن كانت الليبرالية تهدف لحرية الفكر وحرية اتخاذ القرار وحرية التصرف، فالإسلام في صلب عقيدته جاء ليحرِّر البشر من الاستعباد والامتهان، ليكونوا أحرارًا لا تنحني هاماتهم إلا لخالق واحد، وكفل لهم حرية الاعتقاد، وهي رأس الشريعة الإسلام، وحرية الممارسات والتصرف، إلا أنه قوَّم هذه الحرية ووضع لها ضوابط ومحاذير حتى لا تضرّ بالآخرين، ووضع للإنسان القيم والمبادئ حتى لا تضر حريته تلك به هو نفسه.

 

وإن كانت العلمانية تعني ألا يُدير الحكم والسياسة رجالُ الدين، وأن يتساوى أبناء الوطن في الحقوق والواجبات، فالإسلام ابتداءً لم يعرف في تاريخه مصطلح "رجال الدين" بمفهوم مَن يملك الدين والتحدث باسمه، بل عَرفهم كـ"علماء للدين"، ليس لهم كهنوت ولا عصمة، بل هم بشر يجتهدون، يصيبون ويخطئون، وكما لهم مجالهم في دراسة علوم الدين والاجتهاد فيها، فإنه أقرَّ للسياسة برجالها وللاقتصاد برجاله من ذوي الخبرة والحكمة، وللعلوم الطبيعية بعلمائها، وللاجتماع بأهله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: من الآية 43).

 

وضمن لأبناء الوطن الواحد الحقوق والواجبات فكفل للأقليات الدينية في البلاد الإسلامية حقوقها وواجباتها "لهم ما لنا، وعليهم ما علينا"، وكان تولي المناصب والوظائف قائمًا على معيار القدرة والكفاءة، وليس على معيار الدين والطائفية.

 

وإن كانت الديمقراطية تهدف لحكم الشعب بالشعب، وأن يشارك الجميع في اختيار حكامه ويحاسبهم إذا أخطأوا، ويُقيلهم إذا تنكَّروا لطموحات الشعب ورغباته، فهذا الأساس قام عليه الإسلام منذ أولى خطواته في إدارة البلاد، وكان التوجيه للرسول الكريم قائد الدولة حينها ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38)، وجاء الخليفة الثاني عمر ليقر أحقية الشعب في تغييره في حال تنكَّبَ الطريق وضَلَّ عن المسار فطلب منهم إذا رأوا فيه اعوجاجًا أن يقوِّموه، فقام إليه أحد أفراد الشعب قائلاً: "نُقوِّمك بالسيف والله".. فقال عمر- رضي الله عنه-: "الحمد لله الذي جعل من رعية عمر مَن يقوم اعوجاج عمر إذا أخطأ".

 

ومع كلِّ ما سبق تميَّز المشروع الإسلامي بميزتَيْن كبيرتَيْن، الأولى: مرونته وقابليته للتعديل والتطوير والأخذ من تجارب الآخرين ومميزات مشاريعهم دون حرج أو خجل، وفي ذات الوقت دون أن ينتهك خصوصيته ويتعارض مع هويته، فأخذ الرسول عليه الصلاة والسلام عن الفرس- عُبَّاد النار- "تكتيكًا" عسكريًّا بحفر الخندق حول المدينة كما فعل في غزوة الأحزاب، وأخذ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في مجال الإدارة من دولة الروم- المسيحية- أسلوب الإدارة بنظام الدواوين والتسجيل، وما فتئ الإسلام يومًا عن أن يبحث عن الحكمة في أي وادٍ كانت، ليهضمها بهويته ومبادئه ويستفيد منها في مشروعه الكبير، كانت تلك الحكمة في مجال السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو التربية والتعليم أو.. أو..

 

والميزة الأخرى: هي أن المشروع ذاته متناسق مع باقي مكونات النفس البشرية، فهو لم يركز على الجانب المادي للإنسان فحسب، بل اهتمَّ أيما اهتمام بتنمية أخلاقه واهتم بالسمو وتزكية روحه، فأصبح المشروع الإسلامي هو المشروع الوحيد الذي اهتمَّ بالفرد على مستوى الروح والجسد، وهو المشروع الذي اهتم به على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والبشرية جمعاء، وهو المشروع الذي اهتمَّ بكل مفردات الحياة العامة من سياسة واقتصاد وتربية وتعليم ومعاملات واجتماع؛ بل وحروب.

 

ربما علينا جميعًا أن نعيد البحث مرةً أخرى في "دولابنا" الخاص لنرى "بدلتنا" الرائعة الحسن والجمال، بكل ما فيها من مميزات ومحاسن، قبل أن نُسرف النظر إلى "قمصان" الآخرين.

 

الأولى أن نُعيد قراءة ما لدينا ونعيد فهمه واستيعابه كما يجب، وأن نسعى لنضيف إليه المميزات والمحاسن التي نتمنى إضافتها له، كانت هذه الإضافات من الشرق أو من المغرب، لا بأس ما دمت تُثري وتفيد وتضيف دون أن تمس أساس وثوابت ما لدينا.

 

أما إذا كانت حجتنا في الإعجاب بـ"قمصان" الآخرين فقط أنها من الخارج، فعفوًا.. هنا لا أعتقد أننا نملك سوى أن نضع بضع علامات تعجب واستفهام؟؟!!

---------

* أمين اتحاد الطلاب الحُرّ السابق بجامعة القاهرة