د. حامد أنور

 

قد تكون مفاجأةً ولكنها هي الحقيقة، وكم من الحقائق تفوق الخيال أيها السادة أن الدستور الأمريكي الذي يتم التبشير به وبقيمه في كل أرجاء العالم في الأصل مرجعيتُه دينيةٌ؛ فلقد جاء في كتاب (الديمقراطية الأمريكية.. التاريخ والمرتكزات)، وهو يشمل مجموعة دراسات بعنوان أوراق الديمقراطية صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، ونشرت على موقعها بالإنترنت في نوفمبر عام 2001م.

 

والكتاب صادر عن مكتبة الأسرة ترجمة حسن عبد ربه المصري، جاء في الدراسة الأولى التي كتبها جريج راسل- وهو رئيس قسم الدراسات العليا بكلية العلوم السياسية في جامعة أوكلاهوما- ما يلي:

 

"تقضي النظرية الدستورية بأن يكون الحكم عادلاً ومتزنًا ليس من وجهة النظر الأكثرية العاطفية، بل من ناحية توافقه مع قانون أعلى، أشار إعلان الاستقلال إليه بتعبير قوانين الطبيعة وإله الطبيعة" الدراسة الأولى (الدستورية وما يترتب عليها) (الكتاب صفحة 31).

 

إذن فالدستور الأمريكي قائم على قانون أعلى هو المرجعية الكبرى لكل القوانين الأمريكية، يسمونه قانون إله الطبيعة، وذلك حتى يكون الحكم عادلاً، ولكي نعرف أكثر صفات هذا القانون يقول الكتاب: "روح القانون وسيادته تعني التوجه إلى معيار أعلى للتشريع والعدل يتعدَّى النصوص الوضعية ويكون مفهومًا للجميع، لا إلى القانون العادي الذي يسنُّه السياسيون وقتما يشاءون" (كتاب: الديمقراطية الأمريكية التاريخ والمرتكزات- صفحة 32).

 

أي أن الأمريكيين يرون وجوب القفز على القوانين الوضعية والتي لا تكفل تحقيق العدالة؛ لأنها قد تخضع إلى هوى الحاكم والذين معه، فيحيكون ما يريدون ويصدرون من قريحتهم ما يشتهون، فلا بد من أن يكون هناك معيارٌ أعلى للتشريع يتم الاستناد إليه والاحتكام لمواده، وهو بالنسبة إليهم قانون إله الطبيعة، بل إنهم يرون أنه إذا خالف القانون الوضعي أو قانون البشر قانون الطبيعة لم يعُد قانونًا، بل أصبح انحرافًا عن قانون الطبيعة.

 

وهذه القناعة عبر عنها جيمس أوتيس في مقال نُشر عام 1764م استنبط فيه ما يلي: "قانون الطبيعة ليس من صنع الإنسان، وليس في مستطاعه أن يعدله أو يغير مساره، كل ما يملكه إما أن يطيعه ويتبعه، أي يتقيَّد به، وإما لا يتقيَّد به ويخالفه، والمخالفة لا يمكن أن تمر دون عقاب حتى في الحياة، وإذا كان العقاب لأي إنسان هو أن يشعر بأنه محروم وأن يجد نفسه في منزلة البهائم التي هي أدنى من منزلة الأخيار والصالحين بفعل غبائه وشره، فمن باب أولى أن يتحول المسئول الذي يخالف قانون الطبيعة من صديق أو ربما أب لهذا البلد إلى أسد أو نمر مفترس" (الكتاب صفحة 34).

 

وهكذا نرى الديمقراطية الأمريكية تضع المواطنين والمسئولين جميعًا تحت أسْر الرضوخ لقانون أعلى من القانون الوضعي والانصياع إلى معيار تشريعي غير التشريعات الوضعية العقيمة، هذا القانون وذاك التشريع تسميه دساتيرهم قانون إله الطبيعة، والذي هو ليس من صنع الإنسان أو البشر، وليس أمامهم سوى الطاعة المطلقة له، وإلا انحدروا إلى درجة البهائم والحيوانات.

 ----------

* d.hamedanwar@yahoo.com