هناك مَن يملكون من أدوات البطش والتنكيل والفبركة والكذب والاحتيال، ولكنهم لا يمكنهم احترام أنفسهم ولا يملكون احترام الآخرين لهم، فهم خاسرون في جميع حالاتهم، أولئك شر مكانًا؛ لأنهم يشترون بحياة الآخرين وحرياتهم وسمعتهم ثمنًا قليلاً منصبًا أو جاهًا أو سلطانًا، فأمثال هؤلاء كثرة في مجتمعاتنا اليوم منهم الصحفي بدرجة مخبر والعميل بدرجة جاسوس والجاسوس بدرجة خيانة والظالم بدرجة فرعون، فهؤلاء يمكنهم بيع أوطانهم ومبادئهم، فالمبادئ لا تعنيهم والعرض والشرف قمة السذج والحمق، وهؤلاء أيضًا خانوا الأمانة فنالوا من الشرفاء وحولوا نقاء الحياة وطهارتها إلى أرقام يمكن المساومة عليها.. هل أدلكم على حديث الأمانة ومَن أضاعوها؟
جاء رجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يسأله عن موعد قيام الساعة فأجابه الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال الرجل: وكيف تضيع الأمانة يا رسول الله؟ قال- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "إذا وُسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة".
إن سبب ما يعانيه المجتمع اليوم هو بسبب ضياع الأمانة؛ حيث تولاها اللصوص والمرتشون والحاقدون والظالمون، فظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ووقف العامة والبسطاء والفقراء متفرجين فازدادوا فقرًا وبلاهةً، وصفقت فئة المنتفعين ممن سُموا بالمثقفين فازدادوا حقدًا وتحريضًا لغلبة الأهواء والشهوات والمصالح على الواجب والحق وإنصاف المظلومين والأخذ على يد الظالمين ومَن يحمونهم من الفسدة والمحتالين، وأومأت القوة العظمى بالتأييد؛ لأن بلادنا أخذت من زراعة الفساد حرفةً، واستثمرت منه مليارات حتى أصبح المحصول الإستراتيجي الأول بين القارات الخمس أو ست في العالم.
فهكذا أصبحنا نخرب بيوتنا بأيدينا، وبإرادتنا يحقق المشروع الغربي أطماعه فتسلب عزتنا وكرامتنا؛ لأننا حمينا الفسدة والمنحرفين، وسكتنا عن الحقِّ، وباركنا الظالمين فأراد لنا المولى عز وجل أن نكون عبيدًا مذلولين، أليس ذلك بسبب ضياع الدين والأخلاق؟
فكما يقول الشاعر:
مَن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميت إيلام
فاعتبروا يا أولي الأبصار.