قد يظن البعض أن الحكَّام فقط والمسئولين الذين يتولَّون أمورَ العباد- بحق أو بغير حق: أي اغتصابًا- هم الظالمون الذين توعَّدهم الله بالخِزي والعذابِ في الدنيا والآخرة، فيشتدُّ بنا الغضبُ عليهم، وتتوجَّه كلُّ طاقاتنا في سِبابهم ومقاومتهم، دون أن ندركَ أنه من الممكن أن يكون الظلم صَنْعَتَنا نحن الشعوب، وأن ما نحن فيه هو سببُ تسليط الله هؤلاء البشر- الذين نزع من قلوبهم الرحمة ويملكون رقابنا- علينا.
ولعل قراءةً متأنيةً لكتاب الله توضِّح هذا المعنى البديهي عند البعض منا، وهو ما يستوجب اتخاذَ موقفٍ من أنفسنا، كما نحن مطالَبون باتخاذ موقف ممن ظلمَنا، سواءً بسواء!! وقد لفتَت نظري آياتٌ كثيرةٌ تتحدث عن ظلم العباد لأنفسهم، على سبيل المثال لا الحصر: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (229)﴾ (البقرة) ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: من الآية 231) ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ﴾ (البقرة: من الآية 54) ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)﴾ (النحل) ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)﴾ (الأنفال) ﴿بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)﴾ (الروم) ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)﴾ (الكهف) ﴿سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)﴾ (الأعراف) ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272)﴾ (البقرة) ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)﴾ (لقمان) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (112)﴾ (طه) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)﴾ (الرعد) ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)﴾ (المائدة) ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)﴾ (الأنعام) ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (الكهف: من الآية 57).
وآياتٌ أخرى كثيرة تتحدث عن الظلم والظالمين، تؤكد أننا بظلمنا لأنفسنا قد فقدنا جزءًا كبيرًا ومهمًّا من قُدرتنا على مقاومة الفساد والفاسدين والظلم والظالمين!! كيف ونحن صِرْنا جزءًا من منظومة الفساد والظلم التي تحكَّمت في رقابنا؟!
إن الرجل الذي ظلَم إخوتَه وأخواتِه وحرمَهم من ميراثهم تحت أي دعاوَى.. هو ظالم، لا يَقبل الله منه عدلاً ولا صرفًا، والرجل الذي ينافق رؤساءه لينال ما ليس من حقِّه.. ظالم، والرجل الذي يكتب تقريرًا عن المسئول عنهم يُرضي رؤساءه ولا يُرضي اللهَ تبارك وتعالى.. ظالم، وربُّ الأسرة الذي لا يسمح لأحد في أسرته بمناقشته أو المشاركة في الاختيار أو إدارة الأمور.. هو ظالم، لا يقلُّ ظلمه عن الحاكم!! وكيف نطالب بحرية في وطنٍ تُدار حياةُ الأُسَر فيه بالقهْر والاستعلاء والإهانة أحيانًا!! مَنْ ظَلَمَ مَنْ؟!
إن الطالب الذي أساء استعمال الحرية في الاعتداء على حقوق زملائه وزميلاته، وأشاع الفاحشة بينهم بنفوذ آبائه أو بفلوسهم.. هو ظالم، لا معنى لخروجه في مظاهرة تقاوم وتعترض على حاكمٍ فاسدٍ أشاع الفاحشة ورعاها وحماها بقوات أمنه.
المواطن المقهور المرتشي لا قيمة لغضبه الذي لا يظهر في كثير من الأحيان لضَعفِ أو خوفِ تلبُّسِهِ وهو بذلك.. قد ظلم نفسه، وخان دينه، وفرَّط في وطنه للمرتشين الكبار.
إن عالم الدين الذي حمل أمانة قول الحق، مرتكزًا على حبِّ الشعب لدينه، عندما يبرِّر الفساد والظلم ويشارك فيه لمصلحة يحصِّلها.. هو أسوأُ من الحاكم الظالم؛ لأنه كان محلَّ ثقةٍ وهو ظالم لنفسه ولمريديه.
ويمكن النظر في كل المهن والحِرَف والمواقع التي نملكها أو نرعاها وتقع تحت مسئولية كلٍّ منا، لنرى كيف ظلمْنا أنفسَنا ومارَسْنا ما نعيبه على الطُّغمة الحاكمة بكل تفصيلاتها!!
إن أنظمة الحكم الفاسدة غالبًا ما تساعد على نشْر الفساد، وتوزِّعه على الجميع؛ كي يغرقوا فلا يستطيعون مقاومةً أو استنكارًا، وقد ذكرتُ هذا المعنى في ردِّي على بيان حكومة النظام الفاسد الذي يحكمنا في عام 2002م بمجلس الشغب (بِالْغين)، عندما أوضحتُ حرص الحكومة على توريط كافة فئات الشعب المصري فيما تورَّطت فيه، من استدانة ربوية ستَقضي لا محالة على مقوِّمات أي دولة حرة، فكان من مشروعاتها التي لوَّثت بها الشعب قروض بنك التنمية الزراعية للفلاحين، حتى صار أكثر من 70% من فلاحي مصر مهدَّدين بدخول السجن.
ويحلو كل عام فيه انتخابات مزوَّرة التحدث حول جدولة هذه الديون؛ كي تملك رقاب الفلاحين، وكذلك فعلوا في الشباب ومصيبة الصندوق الاجتماعي، الذي أدخل الشباب وآباءهم وأخواتهم السجون؛ وفاءً لأموال بنوك لا تتعدَّى الآلاف القليلة بفوائد باهظة، في الوقت الذي جلبت الحكومة هذه الأموال كمِنَح أو بفائدة لا تتعدى 0.5%!! لكنها حكومات التلويث الممهّدة للتوريث، فمثل هؤلاء الحكام لا يستحقون إلا حكم شعب ملوّث مثلهم، وهم في سبيل ذلك يستعملون كافة الوسائل التي تشجِّع الفساد والظلم بين الشعب المصري!!
دائمًا كلما دُعيتُ إلى عقد قران أو زفاف في أحد المساجد، أحبُّ أن أردِّد ما علَّمَنيه الإسلام وعلماء الإسلام، من ضرورة إنشاء البيت المسلم، ليس فقط على الالتزام بالعبادات والتمسك بالأخلاق الفاضلة، ولكن على الرقيِّ في السلوك الاجتماعي والعلاقة الإنسانية التي جعل الله من المودة والحب والرحمة فيها شأنًا كبيرًا، وأذكِّر الحضور بقول العلماء: "ليس البرّ بالمرأة كفّ الأذى عنها، بل البرّ بالمرأة احتمال الأذى منها" هذا هو مقياس الرجولة الحقَّة كي نتفادَى ظلمًا استَشْرَى في بيوتنا دون أن ندري!! بل إنَّ البعض يلبسه أحيانًا ثوبَ الإسلام، والإسلام منه براء!!
ما أفهمه باختصار: كونوا في بيوتكم أحرارًا يمنحْكم الله بجهادكم الصادق وطنًا حرًّا.. مارِسوا الشورى بين أبنائكم تستعذبون كل شيء يُبذَل ويقدَّم في محاولة الحصول عليها والتمتع بها في أوطانكم!! حقًّا كما يقال: "كما تكونون يُولَّى عليكم".
والسؤال الذي ربما استحيا الكثيرون من سؤاله لأنفسهم على الأقل: هل نحن- بما يعترينا من ضعفٍ وفسادٍ داخلي وظلم لأنفسنا ولغيرنا ومعصية لله تبارك وتعالى..- نستحق نظامًا للحكم أفضل من نظام مبارك!! بفقره وظلمه وتعذيبه واستبداده؟! أقول هذا للتخفيف من نغمة اليأس التي انتشرت في الكتابات والمدوَّنات والتعليقات من غياب ملامح الأمل في تغيير قريب، كأننا قد قدمنا ما نستحق عليه عيشةً كريمةً آمنةً عادلةً.
صحيح.. مصر تستحق أفضل من هؤلاء المتخلِّفين الفاسدين الذين يحكموننا، لكننا- يا أحبة- لم نقدِّم ثمن هذا حتى الآن، والثمن يزداد على قدر السلعة.. "ألا إن سلعة الله غالية"؛ لذا فنحن يجب أن نتحرك في أكثر من اتجاه، أهمُّها المصالحة مع النفس والأهل، وقبلهما مع الله الذي حرَّم الظلم على نفسه، وأعيدوا قراءة آيات الظلم التي سردتُّ بعضَها لتدركوا أن تقصيرًا شديدًا نفعله كل يوم- بل أحيانًا كل لحظة- يؤدي إلى ظلم النفس، وإضعاف القدرة على مقاومة الظلم والظالمين!!
فلا تستعجبوا من قصر نفَس البعض في معركة الجهاد ضد الظلم، ولا تستغربوا غياب أغلبية الشعب عن صفوف المقاومين، فقد طالهم من الظلم للنفس أشياء وأشياء، وهو ما جعلهم دائمًا في حالة خوف وضعف وتردُّد!! ولن تبدأ المعالجة الصحيحة إلا بمعرفة المسبّبات الحقيقية لحالة العجز التي انتابت أغلبَنا، وصاحَب كلَّ ذلك استعجال وهلع وإحباط ويأس، يصبُّ في النهاية في خانة المجرمين الذين تحكَّموا في الشعب وأحكموا عليهم الحصار!!
وصدق الله العظيم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)﴾ (الزمر) ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)﴾ (الأعراف).
------------