يحتاج الإنسان إلى وقفاتٍ على طريق الدعوة، يراجعُ فيها نفسَه، ويحدِّثُها بحديثِ الصدقِ مع النفس، والإنصافِ منها، وشغلِها بالحق حتى لا تشغلَه بالباطل، ولعلَّ حديث النيَّة ينبِّه إلى ذلك تنبيهًا مؤثِّرًا؛ ليصحح كلٌّ منا نيَّتَه قبل أن تجُرَّه نفسُه إلى هواها، فيشقى وتشقى معه ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: من الآية 28)، فإذا ما أفاق، ونهاها عن غيِّها وهواها، سعِدَ وسَعِدَت معه ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: 40- 41).
أليس مهاجرُ أمِّ قيس صحابيًّا هاجرَ من مكة إلى المدينة، وبذل نفس الجهد الذي بذله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام؟؟ وأليس حتى زواجه من أمِّ قيس حلالاً لا حرمةَ فيه، ولكنَّ ترتيب النية والهوى والتعلُّق هو الذي اختلف؟! فجاء الحديث ليوضِّح خطورةَ النيَّة، وارتباط الأجر والثواب بصَفَاء النية ونقائها وإخلاصها؛ ولذا كان صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعدِّدون النيات الصالحة للعمل الواحد ليأخذوا على كل نيَّة أجرًا.. "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وعلى قدر قوة الدافع الباعث على العمل وإخلاصه لله تكون آثارُه على الحركة بركةً، وعلى النفس رضا، ويعود على صاحبه بالأجر الجزيل.
ويتطلَّب تحريرُ النيةِ الدقةَ والصدقَ، وعدمَ الاغترار بخداع إبليسَ وتلبيسِه، أو الميلِ إلى هوى النفس، يختل الميزان، ويزيّن لنا الشيطان الأمورَ على غير حقيقتها؛ لذا كان دعاء الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "اللهم أرِنَا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرِنَا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه" يا لها من كلمات فيها العبودية والإخبات وتسليم الأمر لله واللجوء إليه؛ هرَبًا من هوى النفس وتلبيس إبليس، فهو سبحانه الذي يجعل الأعين ترى على الحقيقة، وهو الذي يرزق الاتِّباع أو الاجتناب!!
عندما تزداد ضغوط الباطل على الدعوة ووسائلها ورجالاتها وشبابها ونسائها.. تحاول النفس البشرية أن تجِدَ لها مخرجًا ولدعوتها متنفّسًا، وهذا شيءٌ طيبٌ ومحمودٌ، ولكنْ هناك فروقٌ طفيفةٌ في النية قد تلتبس وتحتاج لتوضيح: هل الضغوط والتهديدات الواقعة عليَّ شخصيًّا تسبق أم تتأخر أم تساوي- في ترتيب الشعور والهمِّ والاهتمام- ما يقع على دعوتي؟! وهل لو تعارضا- أي بوضوح- أأمَن أنا وتُهدَّد دعوتي.. أم تأمَن دعوتي وأُهدَّد أنا.. ماذا يكون الحال؟! وكيف يكون التصرف؟!
أمَّا إن اجتمع الأمر- أمانٌ لنا ولدعوتنا- فبها ونعمت، ولكنْ أحيانًا يصل الأمر إلى أن يؤذَى البدن ويَسْلَم القلب بالإيمان، أو العكس.. تمرَض الروح والقلب، ويسلَم البدن، فبأيِّهما نهتمُّ؟ ولأيِّهما نجزع ونفزع؟! ﴿إنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وإذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا (21) إلا المُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) والَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ (25) والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) والَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (27) إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى ورَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ (31) والَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) والَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ (35)﴾ (المعارج).
صفات إيمانية وأخلاقيات متينة، تحقِّق الثبات والاستقرار والطمأنينة والراحة النفسية في كل الأحوال ﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 177)، ولهؤلاء أيضًا تتحقَّق الجوائز الربانية التي يبحث عنها الناس ويخطئون طريق الوصول إليها ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق: من الآية 2) أليس المخرَج يكون من الضيق والضنك والشدة التي لا يظهر لها آخِر؟! ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: من الآية 3).
أليس هذا أيضًا حلاًّ لمشاكل عديدة لا حلَّ لها إلا برزقٍ من الله بكل صور الرزق، وليس المالي ولا حتى المادي فقط بعد أن أُغلقت كل السبل التي أحتسبها؟! فيأتي أمرٌ من عنده من حيث لا أحتسب، يكرمني به ربي، ويرسل لعدوِّي وعدوِّ دعوتي أمرًا يستدرجُهم به من حيث لم يحتسبوا، ومن حيث لا يعلمون ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (الأعراف: 182- 183) ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (الحشر: من الآية 2) ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: من الآية 120).
وأول الأمثلة التي تُبرز المعنى الأول، وهو: أذى البدن وسلامة الدين، والمعنى الثاني، وهو: رزق الله من حيث لا يحتسب، هم الفتية (أهل الكهف): نظر إلى ما في قلوبهم فرآه يفيض على موقفهم وكلماتهم المعبّرة ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: 20) يرجموكم: أي يقتلوكم بالحجارة، وماذا في ذلك إذا كنتم ستموتون على الإيمان ويسلَم لكم دينكُم ولو ضاعت دنياكم؟ أما العكس فهو مصدرُ الرعب والفزع والخسران المبين ولو كانت حتى معه سلامة الدنيا.. ﴿يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: من الآية20) تحذيرٌ شديدٌ تنطق به الكلمات، أما رزقُ الله فقد شمل كلَّ ما تتمنَّون وأنتم حتى في ضيق الكهف وظلمته ولا حول ولا قوة إلا بالله ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ (الكهف: من الآية 16)، كلُّ حاجاتكم الدعوية والدنيوية تُقضَى بفضل الله وكرم الله ومن حيث لا تحتسبون.
أما النموذج الثاني فسحرة فرعون، أعجب الناس إيمانًا كما قال عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- "أصبحوا سحَرة، وأضحَوا مؤمنين، وباتوا شهداء في الجنة".
مضرب المثل فيهم أن التهديدات والضغوط لم تجعلهم يحاولون الهَرَبَ أو يقدمون التنازلات إيثارًا لسلامة البدن أو الدنيا حتى ولو لم يسلَم القلب أو الدين.. تزايدت الضغوط حتى وصلت إلى ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ وهنا وقفةٌ أمام هذه التهديدات بضياع الدنيا كلها، ولكن يبقى الدين وتبقى الآخرة ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طـه: 71- 72) لا توجد ضماناتٌ إلا اليقين في وعد الله، الذي لم يذوقوا حلاوته إلا منذ ساعات فقط، عندما دخل نور الإيمان قلوبهم!!
والنموذج الثالث المرأة التي كانت تُصرَع، وخيَّرَها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين أن يدعوَ اللهَ عزَّ وجلَّ لها فتُشفَى، أو تصبر ولها الجنة، فاختارت الثانية.
ولكن مع هذا الصبر على الألَم والنوبات الصارعة لها تريد شيئًا واحدًا، أن يسلَم لها دينُها وعِرضُها، ولو حتى لم يسلَم بدنُها.. "ادْع الله لي ألا أتكشَّف"، وكان لها ما أرادت فكانت تُصرَع، "أي تصرعها النوبات في الأرض ولكن لا تتكشَّف".
نموذج أخير للشهيد خُبيب بن عديّ، عندما خُيِّر أن يسلَم هو بين أهله وأولاده يتمتَّع وتؤذَى دعوتُه ويؤذَى رمزُها الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- فيقول بكل الصدق والحب: "والله ما أحب أنِّي في مكاني هذا يُضرَب عنقي ويُصاب محمدٌ صلى الله عليه وسلم في مكانه بشوكة".
لقد كان كلُّ همِّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الأمان، لا لنفسه.. ولكن الأمان لدعوته: "من يؤويني حتى أبلِّغ دعوةَ ربي"، التي أوذي في سبيل نشْرِها وحمْلِ أمانتها بكل ألوان وأصناف الأذى، ليس في مكة فقط ولكن أيضًا في المدينة، فقد كُسِرت رباعيتُه، وشُجَّ وجهُه الشريف، وغابت حلقتا المغفر في وجنتَيه؛ بسبب مخالفة وتقصير الرماة المسلمين في غزوة أحد، والدولة ممكَّنة، وهو صلى الله عليه وسلم قائدُها وزعيمُها وصاحبُ الأمر فيها!!
وكان الأمر واضحًا جليًّا أنه لا نهايةَ لهذه المعاناة إلا "حتى يُظهِرَه اللهُ أو أهلِكَ دونه"، وعندها غدًا نلقَى الأحبة.. محمدًا وصحبه، صلى الله عليه وسلم.
فستكثُر الفتن كما حذرَنا رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- وستُعرَض الفتن على القلوب، ونسأل الله- عز وجل- أن يعينَنا على أن نُنكِرَها ونلفظَها، ونتنبَّهَ إلى تحذيراتِ الإمام الشهيد الأستاذ البنا- رحمه الله- وهي علامات ومعالم على الطريق.. "التحذير من الزلل فيه، والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره".
ويتوقع أن تُعرَض صورٌ مزيَّفةٌ من الخديعة والمساومة تحت الضغوط والتهديدات، ونسأل الله الثبات حتى نلقَى ربَّنا عز وجل راضيًا عنَّا، غير خزايا ولا ندامى، ولا مبدِّلين، ولا فاتنين ولا مفتونين.. آمين يا رب العالمين.
---------
عضو مكتب الإرشاد