يقول الإمام الشهيد حسن البنا في تقديمه لرسالته (إلى أي شيء ندعو الناس؟!): قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة، فتعتقد أنك قد أوضحت كلَّ الإيضاح وأبَنْتَ كلَّ الإبانة، وأنك لم تدَعْ سبيلاً إلى الكشف عما في نفسك إلا سلكتَها، حتى تركت من تحدثهم على المحجَّة البيضاء، وجعلت لهم ما تريد بحديثك من الحقائق، كفلق الصبح أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون، وما أشدَّ دهشتك بعد قليل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك ولم يدركوا قولك!! يقول الإمام: رأيت ذلك مراتٍ، ولمسته في عدة مواقف، وأعتقد أن السرَّ لا يعدو أحدَ أمرين: إما أن الذي يقيس به كلٌّ منا ما يقولُ وما يسمع مختلفٌ، فيختلف تبعًا لذلك الفهم والإدراك، وإما أن يكون القول في ذاته ملتبسًا غامضًا وإن اعتقد قائلُه أنه واضح مكشوف. ونحن نضيف إلى هذا الكلام- مع صحته وصدقه- بحكم الخبرة وتراكمها، وفهمنا للواقع الذي نعيشه الآن، ثم وقوع أغلب البلاد الإسلامية تحت الضغط الثقافي والفكري لبلاد الاستعمار القديم والحديث، وما ترك ذلك من آثار وبصمات على فكر بعض المسلمين وثقافتهم وتوجُّهاتهم بل وحياتهم؛ بحيث صار بعضهم غربيَّ النشأة.. غربيَّ المزاج.. غربيَّ الثقافة، بل غربيَّ الفهم للأصول الإسلامية والقيم الإيمانية والحقائق التاريخية. وصار الكثير من هؤلاء وقد التَوَت موازينُهم، واختلطت معاييرُهم، والتبس عليهم الحقُّ والباطل؛ بحيث أصبح الحقُّ عندهم باطلاً والباطلُ حقًّا، والأبيضُ أسودَ والأسودُ أبيضَ، وهكذا أصبح كلُّ واحد يتبع هواه بل ويعبده، ويجري كلُّ واحدٍ خلفَ كلِّ ناعق، وأكثر من ذلك أصبحنا نرى أعدادًا ضخمةً من الكتَّاب والمفكِّرين والشعراء والمُبدعين، ممن يسترزقون بفكرهم وكتاباتهم، وصارت قبلتهم إلى شرق أو غرب، بقدر مستوى الإغراء والإغداق، ووزن الحساب في البنوك، وثقل الهدايا والعطايا. ما أتعس هذه الحياة التي يحياها نفرٌ من قومنا، ويتحدثون بلساننا، ويدَّعون أنهم على ديننا.. ثم إذا عرضت أمامهم قضية من القضايا إذا بِكَ تفاجأ في فهمهم لها وتحليلهم لعناصرها، وتتبُّعهم للأصول الفكرية والجذور العميقة لها.. إنهم لا يَخرجون عما تعلموه في مدارسهم الاستشراقية، ومحاضن تربيتهم العلمانية المتطرفة، وتوجهاتهم الملحدة الماركسية واللينينية.. لا يخرجون قيد أنملة عن هذه التوجُّهات اليسارية والأفكار الشاذَّة عن الحياة الفكرية الإسلامية المعتدلة. كل ما يتصل بالإسلام لا يخلو من نقائص عندهم، وحضارة الإسلام عندهم كذلك محض خيال، وحلم من الأحلام، وكل تجارب المسلمين وإسهاماتهم في إثراء الحياة البشرية عندهم ما هي إلا دعمٌ للبداوة وتكريسٌ لحضارة الصحراء وثقافة التخلُّف والرجعية والانسحاب إلى الوراء.. إلى حياة الكهوف والمغارات!! القمني وتخاريف العلمانية على مدار خمسة أيام في إحدى الجرائد اليومية الخاصة- اعتبارًا من الخميس 2/8/2007م- ينبري الكاتب سيد القمني ليتخصَّص في الهجوم على الإسلام وكل ما يتصل به، من حركة وفكر وثقافة وفن وحياة وسياسة واقتصاد، يهاجم كلَّ مناحي الحياة الإسلامية، ويدَّعي أنه إنما يحاور حوارًا مفتوحًا الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين. وحقيقة هذا الحوار أنه ليس حوارًا بين شخصَين أو كاتبَين في مناقشة وجهًا لوجه كما هو المعتاد، وإنما اقتصر الأمر على أن يجترَّ "القمني" كل ما عنده من مخزون حقد ورصيد كره وانحراف فطرة والتواء سريرة وسواد قلب وانطماس روح.. أثَّر كلُّ ذلك وأكثرُ منه على كتاباته وأفكاره التي سطَّرها في هذه المقالات الخمسة في هذه الجريدة كما أشرنا، وهو يحلِّل مقالاً عاديًّا بسيطًا نُشر للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، لا يقصد منه إلا أن يوضِّح للرأي العام أهدافَ ومراميَ الإخوان المسلمين، وخاصةً في الجانب السياسي؛ حيث قدم تعريفًا للدولة الإسلامية، وذهب إلى أن الدولة الإسلامية هي التي غالبيتها مسلمون، وأن الدولة مدنية وليست دينية، وأن رجالها مدنيون، أصحاب تخصص وكفاءة وتفوُّق في كل مجالات ومرافق الحياة. صحيح أن ما أبرزه الكاتب من كلام الدكتور عبد المنعم لا يشمل كلَّ الشروط والمواصفات للدولة الإسلامية، وصحيح أن الموضوع يحتاج إلى عُمق في الدراسة وغَوص في حقائق الدولة، ليس هنا مجال سرده وإبرازه، وإنما الشيء الذي نشير إليه بصفة عاجلة وسريعة ومختصرة هو أن "القمني" وجد الفرصة سانحةً لأن يكيل التُّهَم للإخوان والإسلام، ويوجِّه سهام حقده ومخزون سمومه إلى الإسلام.. منشأً وتاريخًا، منهجًا وحركةً، ثقافةً وفكرًا، بحيث يُثبت أمام نفسه الملتوية أن الإسلام ما كان ولم يكن ولن يكون، وأنه ما ترك على زمنه الممتدّ بصماتٍ ولا علاماتٍ ولا رؤىً ولا حقائقَ باقية ولا علامات بارزة على جبين الدنيا أبد الدهر!! وسنكتفي في إشارتنا إلى أفكار القمني بالنقاط التي هال فيها الترابَ على الحياة الإسلامية كلها؛ للوصول إلى حظوةٍ عند معلميه وأولياء نعمته وأصحاب الفضل عليه، من أعداء الإسلام وكارهيه، والمتربِّصين به، فمثلاً هو ينكر أن الإسلام له أيُّ صلة بحقوق الإنسان، ويستبعد ذلك تمامًا، ويقول بأن حقوق الإنسان في الوقت المعاصر هي آخر ما وصلت إليه البشرية في رقيِّها الأخلاقي- كما يدَّعي- بعد حروب طاحنة، ويدَّعي أن الإسلام لم يحقق أو يسْعَ إلى المساواة والحقوق المتكافئة لبني البشر، وينسى- متعسِّفًا- جانب العدل والإنصاف والمساواة التي زخرت بها الحياة الإسلامية، وأصبحت لآلئَ ونورًا في جبين الإسلام والمسلمين. ولكن كيف له أن يعترف بذلك وليس له من مهمة إلا إبراز المعايب، أو ما يرى أنها مساوئ، وينسى أنَّ نماذج العدل والمساواة في تاريخ الإسلام كانت بارزةً وواضحةً في الوقت الذي افتقدتها الحياة الأوروبية أزمانًا وقرونًا، سواءٌ القديمة منها في الحضارة اليونانية والرومانية، أو في أوروبا في ظلمات القرون الوسطى، أو في الحياة المعاصرة ومنذ سنوات معدودة في أمريكا، حيث تُحدَّد أماكن وأندية لا يدخلها الكلاب والسود، ثم منذ أيام معدودات كيف كان يُعامَل الناس أو السود معاملةَ المنبوذين، في أسوأ أشكال التفرقة العنصرية هناك في جنوب إفريقيا؟! ويتهجَّم الكاتب على رموز الإسلام وعلى الخلفاء الراشدين، ويرميهم بأمور لا يصحُّ أن تصدر من مسلم سويٍّ؛ يقول: إذا كانت الحريات والديمقراطية السياسية من قيم الإسلام ومبادئه، ولها أسسٌ إسلاميةٌ في ديننا فلماذا لم يطبِّقْها أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو معاوية وكبار الصحابة، وملوك الإمبراطوية في عزِّها ومجدِها، ولا تعليق!! يقول إن الديمقراطية تعني تداول السلطة بشكل سلمي، ثم يقول: "لا يذكر لنا أبو الفتوح خليفةً واحدًا تولَّى الحكم ديمقراطيًّا منذ ظهور الإسلام وحتى سقوط طالبان، وهل كان الولاة يتم اختيارهم من قِبَل الأهالي في الأقاليم؟"!! فضلاً عما في هذه الآراء من سقوط وإسفاف وعدم موضوعية ومجافاة للقواعد العلمية الصحيحة لدراسة الظواهر التاريخية وعدم تطبيق قواعد عصر متأخِّر على عصر متقدم بنفس المنطق ونفس المعيار، وإلا فليذكر لنا الكاتب المِغوار كيف كانت الحياة السياسية في أوروبا وقتما ظهر الإسلام!! بل كيف كانت نظمُهم السياسية وتداوُل السلطة التي يدَّعيها فيما بعدَ بَدْءِ الإسلام بقرون عديدة أيام نور الإسلام الذي كان ينثر على أوروبا من الأندلس المسلمة طوال قرون وقرون علمًا وخلُقًا وفضلاً ونورًا وتقدُّمًا وتحرُّرًا وفنًّا وثقافةً وتحضُّرًا. ويقول ويدَّعي: "إن الفلسفة العربية للفتوحات لم تعرف للبشر حقوقًا ولا كرامةً، وتبعًا لهذا تحوَّل الناس في بلادهم بعد الفتوحات إلى عبيد ومَوالٍ وأهل ذمة وسبايا، عليهم دفْعُ مال للفاتحين، ولا مساواة ولا حقوق". ولقد أخطأ الكاتب أشدَّ الخطأ عندما تكلَّم عن الفتوحات الإسلامية بهذا المنطق المعوَجِّ، وتناسى متعمِّدًا أن الدستور الإسلامي في القتال كان يحدد ثلاثة مطالب عند المواجهة أو النزال (الإسلام- الجزية- وأخيرًا بعد استنفاد كل الوسائل السلمية القتال). وعند القتال لا يقاتل كل الناس، وإنما المقاتل فقط الذي يحمل سلاحًا وفي الميدان، وبالتالي لا تقاتل المرأة ولا الطفل ولا الشيخ المسنّ ولا المتعبِّد في صومعته أو معبده، كما لا تُقلع شجرة ولا تُقتل بهيمة، ولا تُخرب بيوتٌ و.. و.. إلخ. وحتى تكتمل مثالية المقاتل المسلم فإن الكاتب المتحامل على الإسلام عليه أن يدرس وينقِّب فيما فعله أهل أوروبا قديمًا في حروب الرومان واليونان، وفي الحروب الصليبية وهجوم التتار والمغول!! ثم في هذه الأيام ما فعلته أمريكا وقوى التحالف الغربي في العراق وأفغانستان والصومال، وما تفعله العصابات الصهيونية في فلسطين..!! والله من وراء القصد.