الإخوة الأحباب..

تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

فأقصد من رسالتي هذه الحديث حول معنى أو موضوع واحد فقط، ألا وهو الفرد داخل الجماعة، وقد اخترت هذا الموضوع لأهميته الكبرى في محاولةٍ مني لاستجلاء بعض المعاني التي ربَّما تشكِّل التباسًا عند البعض، وجدلاً عند البعض الآخر، هذا فضلاً عن أن الفرد هو حجر الزاوية في الجماعة، وعلى قدر طاقاته وإمكاناته ومواهبه ووضوح الرؤية لديه ونجاحه في أداء مهامه، وعلى قدر الاهتمام به والعناية بأمره.. على قدر ما تستطيع الجماعة مواجهة التحديات وبلوغ أفضل الغايات.

 

وأبادر فأقول: إن هذه الدعوة في حاجة ماسَّة إلى الجميع دون استثناءٍ أو إقصاءٍ أو تهميشٍ لأحد، هي في حاجة إلى جهد الجميع، ووقت الجميع، ومال الجميع؛ لأن الجميع هم وقودُها وطاقتُها وتوهُّجُها، ومن ينتقص من هذا الجميع أفرادًا أو فردًا واحدًا فهو ينتقص من الوقود والطاقة والتوهُّج، ومن هنا فإن الجماعة حريصة على كل فرد فيها، ولا يمكن أن تفرِّط في أي أخٍ، مهما كان صاحب مشكلات، أو كان مصدرًا للمتاعب أو القلق، وكثيرًا.. كثيرًا ما كانت الجماعة- بل هي دائمًا- الصدر الحنون الذي يرفق ويصفح ويعفو لسبب بسيط، وهو أن هذا هو منهج الجماعة المستمدّ من قيم الإسلام ومبادئه، وأنها- أي الجماعة- ليست ملكًا لأحد بعينه، بل هي ملك للجميع، وهي تعبير عن الجميع، وهي ليست حقًّا لهذا الجيل فقط دون غيره من الأجيال، وإذا أراد فردٌ- أيًّا كان موقعه- أن يجذبها بعيدًا عن مسارها وثوابتها أو أن يفرض عليها وضعًا ما لا يتفق مع خياراتها الفكرية أو المنهجية فلن تستجيب له به بأي قدر، فهذه الجماعة لها موروثها التاريخي، الذي يزن الأمور ويضع الشيء في موضعه الصحيح، دونما تكلُّف أو عناء، ومن أراد أن يختطَّ لنفسه طريقًا خاصًّا غير متسق مع هذه الثوابت، ومتباينًا مع هذا المسار أو الخيار، فله ما يريد، شريطةَ أن يكون هذا الطريق الخاصّ خارج إطار الجماعة ودون أن يخلَّ هذا بالعلاقات الإسلامية العامة بين الجماعة وبينه.

 

وليس معنى هذا أن الجماعة- أو بالأحرى قيادة الجماعة- تحجر على رأيٍ أو فكرٍ أو تصوُّرٍ، يمكن أن يُثري عمل الجماعة ويطوِّر أداءَها، ويضيف إلى رصيدها على أي نحو، فتنوُّع الأفكار لا شكَّ أنه مفيدٌ، وعلى قيادات الجماعة أن تجِدَّ في البحث عنه، وأن تعمل على تنميته؛ لأنه من غير المعقول أن تُختزل الجماعة في شخص واحد، مهما أوتي هذا الواحد من نبوغ أو عبقرية أو إلهام، وليس من الممكن أيضًا أن تكون الجماعة عبارةً عن أفراد مستنسخة من بعضها، القضية أن هناك ثوابتَ من حيث التأصيل النظري والفكري والفقهي، وأيضًا من حيث التأصيل التنظيمي، لا بد من احترامها، بل والالتزام بها، وإلا تشرذمت الجماعة وصارت فرقًا وأحزابًا، فمثلاً نحن نؤمن بشمولية الإسلام، وأنه كلٌّ لا يتجزَّأ، ومنهاجنا يتسم بالتدرُّج والمرحلية، وأن الوسائل المتبَعة في السعي للإصلاح والتغيير يجب أن تكون سلميةً، واخترنا التربية كأساس للبناء والتكوين، فلا يُتصوَّر أن يأتي أحد من داخل الصفِّ ينادي بتجزئة الإسلام، أو لكي يقفز بالجماعة إلى المجهول، متخطيًا بذلك كل المراحل، أو أن يتبنَّى منهج العنف بهدف الوصول إلى السلطة، أو يُغفِل التربية، متجاوزًا بذلك القيم الإيمانية والأخلاقية الضابطة والحاكمة لسلوك الأفراد.

 

أيضًا لا ينبغي لأي فرد، أيًّا كان وضعه وموقعُه، أن يستقلَّ أو ينفرد بقرار، أو أن يستلب سلطة المؤسسة التابع لها، وعليه أن يستشير في كل أمر، صغُر أم كبُر، وأن يلتزم، بل ويتحمَّس لما يتم الاتفاق عليه، وإن خالف رأيه.

 

إن الشورى مصدر خير وبركة للجماعة، فضلاً عن أنها عاصمٌ لها من الزلل، وهي أمرٌ من الله تعالى لرسوله- صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُوْرَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38) وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- أكثر الناس مشاورةً لأصحابه، وقال يومًا لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: لو اجتمعتما على أمر ما خالفتكما.

 

وإلى أن نلتقي أرجو الله تعالى أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من جنده العالِمين العاملين .. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

----------

النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين- Habib1928@hotmail.com