حقًّا إنها مهنة البحث عن المتاعب ليست في التعامل مع المصادر، أو البحث عن المعلومة والخبر.. هي أيضًا تصنع المتاعب من خلالها، خاصةً إن كنت محسوبًا أو منتميًا لتيارٍ سياسي معين "أيدولوجيًّا" أو تنظيميًّا، خاصةً في ظل سيطرة الاستبداد المُحكم.. إنها الصحافة المعشوقة.. القاسية.
لا شك أن هذه المهنة لا يمكن لبشرٍ أن يتحملها، ويتحمل تداعياتها إلا إذا كان يعشقها؛ لأنه إذا فقد عِشقها سيلعنها صباح مساء؛ كونها تعتمد على فكر الإنسان وحالته النفسية في مس قلوب قرَّائه، ويكافح من أجل نقل الحقيقة حتى وإن كلَّفه ذلك حياته، ولا ننسى العديد من الصحفيين الذين قدموا حياتهم فداءً لتلك المهنة، وفداءً لنقل أفكاره وعلى سبيل المثال الشهيد طارق أيوب وأطوار بهجت، وغيرهم الكثير، فضلاً عمَّن يُقدمون حريتهم في سبيل قلمهم.
فوجئتُ صباح اليوم بإحدى الرسائل تقرع باب هاتفي؛ لتنقل خبر وفاة الزميل عصام الأنصاري أثر حادثٍ أليم أثناء عودته لبيته ولزوجته التي يسكن إليها ولولديه طارق وشروق.. شعرتُ بالصدمة الكبرى بعد قراءة الرسالة.
إن الصحافة هي المهنة التي دفعت بالأنصاري إلى تقديم استقالته من التدريس، وبناء الأجيال لينتقل إلى مهنة البحث عن الأزمات والصعاب، لم يكن الأنصاري ينتمي لفكرٍ معين، هو صاحب قلمٍ رشيقٍ ينقل الحقيقة، يتمتع بخفة ظل الريفي الذي يُشعرك بأصالة هذا الرجل وكرامة المُحتد المتجذر في هذا البلد.
الأنصاري ترك تربية الأبناء، وتعليمهم ليمتهن الصحافة، وكان يعلم يقينًا أن عمله بالصحافة لن يُمكنه من كسب قُوته وقوت أبنائه؛ وذلك يُثبت عشقه لهذا العمل، لكن الأنصاري رغم عشقه للمهنه لم يبحث عن أي صحيفةٍ تُشبع رغباته في الكتابة، وفي إبداعه وعصفه الذهني، لقد اختار جريدةً يحترم فيها قلمه؛ فدخل جريدة (آفاق عربية) المحسوبة على التيار الإسلامي عامةً وعلى جماعة الإخوان المسلمين خاصةً، واستمرَّ في العمل بالجريدة قُرابة خمس سنوات وسط حُبِّ زملائه في الجريدة، ولا أذكر أنه دخل في صراعٍ مع أحد الزملاء أو حتى احتدَّ معه في النقاش.
وبقيت أزمة الأنصاري مع الصحافة تستمر وتتوالى مع أزمة (آفاق عربية) ذاتها، ولا يخفى على أحدٍ ما حدث للجريدة بسبب دخولها في صراعٍ مع النظام صراع الحق مع الباطل؛ فظل النظام يُكافح تلك الجريدة التي كانت تفضحه وتُعريه وتكشف عورته وفساده، واستمرَّ النظام في محاربته للجريدة وللعاملين فيها على كافة الأصعدة من تهديداتٍ مباشرة وغير مباشرة، إضافةً إلى حبس صحفييها واعتقالهم واستدعاء مديريها لأجهزة الأمن، وتهديدهم ومطالبتهم بالكفِّ عن كشف الفساد المُستشري في النظام، حتى انتهى الأمر بالنظام إلى إغلاق الجريدة، وإلقاء جميع العاملين بها إلى قارعة الطريق، وإذلالهم لإخراس ألسنتهم، أو حتى كتم أنفاسهم.
لكن صحفيي الجريدة لم يخضعوا أو يخنعوا، ورفضوا أن يركعوا لهذا النظام الذي بطش بهم واستمروا في صراعٍ معه طِيلة عامٍ كامل، وكانت نقابة الصحفيين تبعد جنبها وتنأى بنفسها عن هذا الصراع، رغم أن النقابة هي الأم لرعاياها، تبحث عن حقوقهم وترعاهم، لكن نقابتنا كانت تُبرر تجنبها للأزمة بأنها أزمةٌ سياسيةٌ لأنكم صحفيو الإخوان، رغم أن الجريدة التي كانت تضم أكثر من سبعين صحفيًّا، كان بها مَن هو من الإخوان وممن هو من خارج الإخوان.
وبقية أزمة الأنصاري- رحمه الله- في أنه كان بين مجموعةٍ من الزملاء تم تعاقدهم مع الجريدة بشكلٍ رسمي وموثق، وتأهيلهم لعضوية نقابة الصحفيين، لكن بطش النظام حال بين هولاء الزملاء وبين دخولهم تحت قيد النقابة بعد إغلاق الجريدة رغم استيفاء كافة أوراقهم، وكانت النقابة في تعاملها مع تلك المشكله أسوأ من النظام ذاته في تعنتها في منح الأنصاري ومَن معه عضوية النقابة؛ لأنهم أصبحوا بلا جريدة رغم استيفاء كافة الأوراق وإتمام التعاقد رسميًّا مع الجريدة من قِبل إغلاقها.
لكن هذا ليس جديدًا على نقابة الصحفيين، فهي مِن أسوأ النقابات في منح عضويتها، ولا يوجد صحفي استطاع دخول تلك النقابة إلا بعد أن تبلغ القلوب الحناجر، وكأنَّ الدخول إلى نقابة الصحفيين أشبه بالدخول إلى الجنة- لا سمح الله-.
وظل الأنصاري في عملية تفاوضٍ وصراعٍ وشد وجذب مع النقابة؛ ليحصل على عضويتها واستمرت النقابة في تعنتها وسياستها تروح بلؤمٍ وتغدو بغدرٍ، ولم يصل الأنصاري إلى شيء ومنعته ظلمًا من الحصول على عضويتها، ثم التحق بلجنة القيد الأخيرة في 16 يوليو عن طريق مجلة (المختار الإسلامي) قبل أن يَلقى ربه بشهرٍ تقريبًا.
اللهم ارحم زميلنا عصام الأنصاري وتقبله في الصالحين.