حينما ننظر إلى مصائب الأمة ومآسيها وجراحها وعارها بضعف وحيرة أبنائها وتهاون أو تخاذل حكامها وهجوم وتكالب أعدائها، وترنو قلوبنا إلى الخلاص والنصر ومحو الهزائم نجد نموذجًا رائعًا للنهوض بالأمة بعد ضياعٍ كبيرٍ وعارٍ شنيعٍ وضعفٍ نفسي وتمزق جسدي وطغيان أجنبي وتحالف خياني.. ألا وهو نموذج صلاح الدين، ونحن نمر الآن بذكرى مرور 820 عامًا على حطين في : (4 من يوليو 1187م الموافق 24 من ربيع الآخر 583هـ).

 

 أحوال الأمة عند قدوم صلاح الدين
 
 الصورة غير متاحة

د. رشاد لاشين

الأوضاع الخارجية:

هجمة صليبية حقودة بشعة استمرت قرابة 100 عام تكالبت فيها على أمتنا الحبيبة فسيطرت ونهبت ودنست المقدسات وانتهكت الحرمات واستباحت الدماء، وحوَّلت بيت المقدس إلى إسطبل للخيل، وتعاملت مع الجميع بغطرسةٍ واستعلاء، وتحالف مع هؤلاء الصليبيين المجرمين طائفةٌ من القادة المنهزمين من بني جلدتنا؛ حفاظًا على كراسيهم وتحقيقًا لمصالحهم التافهة الحقيرة على حساب كرامةِ الأمة وبيعًا لثوابتها بثمنٍ بخسٍ هزيلٍ، والناظر إلى ما يدور اليوم في أوضاع أمتنا الخارجية وما أطلقه المدعو بوش بالحرب الصليبية الجديدة وما يقدمه قادة أمتنا من ركوعٍ واستسلامٍ وتضييعٍ للعزة والكرامة من جانبٍ وإلى ما يدور من حِراكٍ وفعالياتٍ ودعواتٍ للإصلاح والنهوض من أبناء أمتنا العظيمة ليدرك أنه ما أشبه الليلة بالبارحة.

 

الأوضاع الداخلية:

كانت الأوضاع الداخلية حين قدوم صلاح الدين للحكم أسوأ حالاً من أحوال أمتنا اليوم:
(خيانات- مؤمرات داخلية- قلاقل وعقبات في ميادين شتى- فئات تُنفِّذ أجندة المستعمر في داخل البلاد- محاولات لاغتيال صلاح الدين- قادة مسلمون يستقوون بالخارج ويطالبون الصليبيين باجتياح مصر والقضاء على صلاح الدين-.........)، وغير ذلك كثير وكثير، ويكفيني لأوضح صعوبة الجبهة الداخلية أن أورد من التاريخ بعض المقتطفات السريعة المتمثلة في الآتي:

 

- تآمر (مؤتمن الخلافة) المتحكم في قصر العاضد مع الصليبيين للتخلص من صلاح الدين لشعورهم أن دولة بني العبيديين الباطنية آيلة إلى الزوال.

 

- ثورة السودان في القاهرة لمقتل (مؤتمن الخلافة) وقتال أبي الهيجاء- من قواد صلاح الدين- لهم وتغلبهم عليه.

 

- مؤامرة كبرى ضد صلاح الدين والإسلام يحيكها بقايا الباطنيين من العبيديين ويراسلون الصليبيين في الشام وصقلية للتوجه إلى مصر لأخذها من صلاح الدين.

 

- صلاح الدين يكتشف المؤامرة ويتخلص من رؤسائها ويرد الله كيد الخائنين.

 

- صلاح الدين يخمد ثورة أحد قادة الفاطميين، ويُدعى كنز الدولة، في صعيد مصر.

 

- ملك الصليبيين في القدس (عموري الأول) يتحالف مع الباطنية (الحشاشية والإسماعيلية) في الشام للانتقام من المسلمين مقابل تنازل الصليبيين عن الضرائب التي تؤديها الباطنية لهم.

 

- تحالف أهل حلب مع الملاحدة الحشاشين لقتل صلاح الدين؛ حيث بذل سعد الدين كمشتكين الأموال للتخلص منه، وقد حاول الحشاشون الملاحدة قتل صلاح الدين، ولكن سلَّمه الله منهم، ولكن قتلوا أميرًا له يُدعى ناصح الدين خمارتكين وجرحوا غيره.

 

- أهل حلب يطلبون العون من صاحب طرابلس الصليبي للتخلص من صلاح الدين
- أمير الموصل غازي بن مودود يتجه بقواته إلى حلب ويعسكر خارجها ويستنجد ببعض الأمراء المسلمين، ويحالف الصليبيين ضد صلاح الدين.

 

- تنفيذ المؤامرة على صلاح الدين بين الزنكيين والصليبيين وانتهاز الصليبيين الفرصة ومهاجمة المناطق التابعة لدمشق.

 

- محاولة الباطنية الإسماعيليين اغتيال صلاح الدين وهو يحاصر قلعة "إعزاز" المنيعة، لكن نجاه الله منهم، واستمر حصار القلعة حتى استسلمت في 11 من ذي الحجة.

 

- مسير صلاح الدين (في المحرم) إلى مصياف، مقر الباطنية، وقتاله لهم، فقتل وأسر منهم وخرَّب ديارهم حتى شفع فيهم خالُه صاحب حماة (*).

 

طريق طويل وشاق

صلاح الدين يقود مشوار البناء والإصلاح 19 عامًا قبل التحرير:
 
 الصورة غير متاحة

صلاح الدين الأيوبي

جاء القائد الرباني الفذ العظيم صلاح الدين الأيوبي فوجد الأمةَ على الحال التي أوردنا: مهانة ومستذلة ومستعبدة ومدنسة مقدساتها من الأعداء الخارجيين، وركامًا كبيرًا من المشكلات الداخلية التي تتطلب جهودًا ضخمةً وعملاً متواصلاً بالليل والنهار.

 

لقد بدأ صلاح الدين حكمه لمصر عام 564 هـ، وكانت أول مواجهة جدية له مع الصليبيين هي حطين وذلك عام 583هـ؛ فصلاح الدين لم يستل سيفه منذ اليوم الأول ويبدأ هجومه على الصليبيين، ولكنه كان يفقه بناء الأمم وقوانين النصر، فأخذ وقته في الإعداد والتنظيم والدراسة والمراقبة وتفحص مواقع القوة والضعف، أعد برنامجًا للإصلاح تضمن الآتي:

- الإصلاح الداخلي أولاً: فبدأ بتثبيت الأوضاع في مصر وأسقط فيها الدولة الفاطمية فيها، وأعاد المنهج السني من جديد؛ وقام بنشر العدل وقضى على المظالم وأصلح أحوال الفقراء وحرص على تحسين المستوى المعيشي.

 

- إعادة الاتصال بالجسم الإسلامي الكبير: الخلافة الإسلامية فأقام الخطبة والحكم للخلافة العباسية.

 

- إعداد الجيش الرباني: ربَّى صلاح الدين الشباب على التقوى والإيمان، وقام بصنع الجيش الرباني الموصول بالله، فكان يمر على الخيام فإذا وجد خيمةً تقرأ القرآن الكريم أو تقوم الليل قال: "من هنا يأتي النصر"، وإذا وجد خيمةً نائمةً أو لاهيةً قال: "من هنا نخشى الهزيمة".

 

- قام بتوحيد صفوف الأمة وتأديب الخارجين عليها أو المتحالفين مع أعدائها: فلما تُوفي نور الدين محمود سنة 568هـ، بدأ صلاح الدين ببلاد الشام ليضمها تحت إمرته ففتح دمشق وحمص وحلب وحماة وحلب وغيرها، وفتح اليمن.

 

الخطاب الإعلامي ودوره في تحقيق النصر

الإعلام في أي أمة هو مفتاح النجاح وهو طريق الإعداد والتأهيل لصناعة الشعب القادر على تغيير أحواله والنهوض بنفسه وإصلاح جبهته الداخلية ثم الانطلاق نحو المقاومة ثم تحقيق النصر العظيم والخطاب الإعلامي يشحذ الهمم ويرسم الطريق ويوضح معالم المرحلة والقائد الناجح هو الذي يستطيع أن يصنع خطابًا إعلاميًّا يقود الشعب لطبيعة المرحلة، ومن هنا كان الشعار الرائع العظيم الذي أطلقه القائد الفذ صلاح الدين عنوانًا للخطاب الإعلامي: (كيف أضحك والقدس أسير؟!).

 

فكان نموذجًا للقائد الجاد الصالح الذي يحمل هموم الأمة ويبدأ بنفسه ويصبغ الحياة العامة بالقضية المركزية التي يجب أن تتمحور حولها الأمة كلها، فلا صوتَ يعلو على صوت القدس والمطالبة بتحرير مقدسات المسلمين في فقه القائد العظيم صلاح الدين.

 

بين حطين السابقة وحطين المنتظرة

أعادت حطين للأمة الإسلامية عملاقيتها وقدرتها الرائعة في تجميع صفوفها على أيدي قادة عظماء يقودون المسيرة وجنود أفذاذ ينصرون الله فينصرهم الله تعالى ويحققون المعادلة الإسلامية التي لا تُخطئ في أي زمان: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7)، ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي تفيق فيها الأمة بعد غفلةٍ أو ينهض الجواد العظيم بعد كبوةٍ أو يعود السؤدد العظيم إلى أهله بعد طول غياب، ولكن للنصر قوانينه وللجهاد عدته وللمعركة رجالها الصالحون الوطنيون الحقيقيون الأفذاذ المتجردون من هوى أو مصلحة شخصية، ولعل أمتنا الحبيبة اليوم في مخاض حطين الجديدة؛ حيث بدأت في مشوار الإصلاحات أسوة بقائدنا العظيم صلاح الدين الذي استمرَّ في مشوار الإصلاح 19 عامًا، وهذا ما يتطلب من كل فرد في الأمة أن يبذل فيه جهده، وأن تتعاون النخب الصالحة لإفراز القيادات الناجحة وميلاد (صلاح الدين جديد) والمستقبل الآن في واقع أمتنا يبشر بكل خيرٍ بإذن الله تعالى رغم المآسي؛ وذلك في ظل اليقظة والوعي والحِراك الدائم والتعاون والتآزر والتضحيات والتمسك بالثوابت والقفزات النوعية في المقاومة والنشاط السياسي وحركة ونشاط أبناء الأمة في كل مكان، ولعل هذا الذي كان قد أصاب المدعو شارون بالفزع كما يقولون أنه كان قد قال لهم في ظل هجمته الهوجاء التي كسره الله فيها: "إنني أخشى من خروج صلاح الدين جديد".. فقيل له إن المسلمين الآن ضعفاء فقال- وهو الذي درس تاريخ المسلمين جيدًا-: "لقد كان المسلمون قبل خروج صلاح الدين الأول أضعف حالاً من وضعهم الآن".

 

فبشريات الإصلاح والنصر على الأبواب، ولكن هبوا يا رجال وابذلوا الجهود وأعدوا العدةَ والله ناصركم ورافع رايتكم.

---------------

(*) انظر الجدول الزمني للحروب الصليبية في المشرق- مجلة الفسطاط:
http://www.fustat.com/I_hist/crusade_chron2.shtml