كثيرٌ من المثقفين كانوا يتعاطون مع الوصفات العلاجية من الأعشاب على استحياءٍ وفي الخفاء؛ لأنها طريقة (بلدي) يصفها غيرُ متخصصٍ ومحض خبرات يشوبها الغموض ولا تستند إلى علمٍ بعضها ينفع وبعضها يضر، والآن أصبح العلاج بالأعشاب أو ما يُسمَّى بالطب البديل علمًا منشورًا له مدارس ورواد, يتعامل معه الناس بثقةٍ وبصيرةٍ وسهولةٍ بعد أن أصبح تخصصًا له مرجعية علمية.

 

وفي بلادنا مَن يتعاطون مع التربية كأصحاب الوصفات البلدية (زمان) ولكن بغير استحياءٍ ولا خفاء فنجد من الآباء مَن يمارسون مع أبنائهم أساليبَ لا تستند إلى علمٍ ولا إلى شرعٍ وسندها الوحيد أنها موروثة عن أسلافهم، والعجيب أنه إذا اشتكى هذا المربي من مرضٍ عضوي أسرع إلى طبيبٍ وأجرى فحوصًا، أما إذا تعرَّض لموقفٍ سلوكي ما.. اجترَّ واسترجع الذكريات، وإذا أبدع استشار قرينه...!!

 

قد نجد في مجال الطب مَن ينصح، ولكنه يعترف بأنه غيرُ متخصصٍ، ولا يمكن أن يُمارس الطب كمهنة.. (إلا في التربية..)، وقد نجد في مجال الهندسة مَن يمارس المقاولات ولكن لا يمكن أن يُنفِّذ أي عملٍ بدون مرجعيةٍ هندسيةٍ (إلا في التربية..!!)، وهكذا في كل فن وفي كل مهنة إلا مهنة التربية..!!

 

فلربما لكون التربية فنًا ملازمًا لحياة الفرد، ولربما لكونه يعتمد بصورةٍ ما على الفطرة والحكمة والبصيرة.. ولكن كل هذا يمكن أن يُقبَل على المستوى الفردي.. مستوى الآباء، ولكن لا يمكن أن يُسلَّم به في وسط المربين والعاملين في مجال التربية، فضلاً عن المديرين والمخططين للعملية التربوية؛ فأي بناءٍ أقامه غير متخصص لا يخلو من خللٍ فاضحٍ وعيبٍ قادح.

 

وهذا ما وجدناه في مجتمعنا حين تولَّى أمر التربية والتعليم فيها العسكريون والسياسيون والمحاسبون والأطباء وغيرهم (من غير التربويين) بغض النظر عن أخلاقهم وهويتهم، ولكننا نتحدث عن التخصص.. فالتخصص طريق التميز، وأولى خطوات الإصلاح والنهضة إصلاح التربية، وأول إصلاح التربية إسنادها للمتخصصين، وإعادة تأهيل الخبراء تأهيلاً علميًّا حقيقيًّا وتحويلهم إلى محترفين.

 

ثم بعد ذلك تأتي الخطوة التالية، وهي تنقية خبراتنا التربوية الموروثة التي تناقلتها الأجيال وكأنها أسرارٌ أو أكسير تربوي سحري، والحقيقة أن بعضًا من هذا التراث إفراز مناخ وبيئة مختلفة، وبعضه عبارة عن رُؤى فردية قد تكون تعسفيةً، ومع تنقية الخبرات تأتي تنقية المناهج واختيار الأساليب والوسائل، ثم بعد ذلك ومع كل ذلك يكون التأهيل النوعي للمربين لتحقيق شعار "التخصص طريق التميز".

-----------

* خبير تربوي