د. حامد أنور - أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم: لا بد أن يعلم الحاكم أنه ليس هو العبقرية الملهمة والعقلية الفذة والمعجزة الخارقة التي لن تجود بها رحم التاريخ ثانيةً ولن يأتي بمثله الزمان، وعليه أن يُدرك جيدًا أنه ليس هو هبة الأقدار ونور الأبصار وأمل الصغار والكبار وحلم الشعب بالليل وبالنهار، بل هو بشرٌ من خلق الله هناك العديد مثله والأخيار والكثيرون على شاكلته والأطهار، لم يتعالَ أبو بكر مع أنه يستحق ذلك ويقول إنه ثاني اثنين إذ هما في الغار، أو أن إيمانه يزن إيمان الأمة كلها ويزيد، لم يقل لو وجدت أحدًا أفضل مني لأعطيتها إياه أو أحدًا يفوقني لمنحتها له، بل قال لستُ بخيركم، رغم أنه بالفعل كان خيرهم، ومَن ذا يُدانيك يا أبا بكر؟ - إن أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوموني: لا يزعم الحاكم أنه ينطق عن الهوى، بل إنه يخطئ ويُصيب، يُسيء ويُحسن وإنه في كل الحالات في حاجةٍ دومًا إلى الشعب في كل أموره وأحواله، إن أحسن فإنه يحتاجُ إلى عونهم ويد المساعدة منهم، وإن أساء ينصاع إلى تقويمهم والإصغاء إلى نصيحتهم، لا يستبد برأيه يعاندهم ويتفنن في اتخاذ القرارات والقوانين التي تُكبِّلهم وتضيق عليه وتحيل حياتهم إلى جحيمٍ دائمٍ ويستقبلون صباح كل يوم بدعاء: "استرها يا رب". - القوي فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له: ما أجمل أن يشعر المواطن بأن الحاكمَ حريصٌ على حقوقه، وأنه لا يُفرِّق بينهم على أساسٍ طبقي رغم أنها سنة الله في خلقه، فهو قد فضَّل بعضنا على بعض في الرزق، والناس متفاوتون في قدراتهم وإمكانياتهم ومهاراتهم، إلا أن الجميعَ أمام أحكام الشريعة سواء فلا يقول شخص: (إنت عارف مع مَن تتكلم) أو يتعالى آخر (إنت عارف أنا ابن مَن)، بل الجميع تظلله أفق العدل ونبعه الصافي المتدفق في سلاسةٍ ويُسر، فلا تنظر القضايا في سنين ويتناوب عليها الأجيال جيلاً بعد جيل ولا يخش المواطن من أن يذهب إلى قسم الشرطة لينال حقه أو يحذر الاقتراب منه أو يقول كلما رأه من بعيد "اللهم اصرف عنا شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بالخير يا رحمن"، أو يتذكر حين يهمس مع صاحبه أن الحوائط لها آذان، والآن أصبح لها عيونٌ بكاميرات، لا.. بل يشعر أن حقه مصان، وأن كرامته لن يمسها إنسان. - أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم فإن عصيته فلا طاعةَ لي عليكم: ليعلم الشعب والمحكومون أن طاعةَ الحاكم ليست مطلقةً، بل مشروطة بطاعته لله والالتزام بشرعه فإن لم يفعل فلا طاعةَ له. أما أن تقفز في رأسه فكرة أو تخرج من قريحةِ عقله رغبة فيصدر مرسومًا في البلاد والعباد تطالب الجميع بها والانصياع لها دون معايير فهذا ما لا نقبله. بقي أن نقول إن أبا بكر بعد هذا العقد ولَّى الفاروق عمر ولايةَ القضاء فلم يأته لأكثر من عامٍ كاملٍ متخاصمان. يا ترى كم قضيةً يتم رفعها في العام في أيامنا هذه؟! ------------
بعد أن تصاعدت وتيرة العداء والتهبت بين النظام الحاكم وكل فئات المجتمع أصبح لزامًا علينا أن نبحث عن عقدٍ اجتماعي يحدد إطار العلاقة بين الحاكم والرعية، عقد يلتزم به الجميع ويكون هو المعيار بدل أن تصبح الأمور فوضى هكذا لا ضابطَ لها، وأعتقد أن العقد الاجتماعي الذي وضعه الخليفة الراشد أبو بكر الصديق هو العقد الأوحد الذي يتفق مع معتقداتنا وقيمنا وطموحاتنا، والأنسب لأوضاعنا، فعندما تولى الصديق الخلافة ألزم نفسه بهذا العقد وأعلنه على الناس، وتبدو أن الحاجة ملحةٌ لنستعيده كائنًا يعيش ويتنفس بيننا من جديد..

*