شاء الله وحده أن أعيش أيامًا في سجنين؛ سجن القاهرة للمحبوسين احتياطيًّا (المحكوم) بطرة وسجن وادي النطرون الكيلو 97 مصر إسكندرية الصحراوي، وقد اختلطتُ في هذه الفترة مع الفئة التي تُسمَّى بـ(الجنائيين) بكافة أطيافها، وقد استفدتُ في هذه الفترة القصيرة دروسًا متعددة- ليست موضوعنا-.

 

المعلوم لدينا أنه لا أحد يحب السجن (الحبس) لما فيه من قيدٍ على الحرية، وبُعد عن الأهل والناس، وضرر قد يقع في العمل الحياتي، وتعطيل للأعمال الخيرية، وأحيانًا تحطيم لبعض الآمال، كما أن في السجن شعورًا بالهوان والضعف والصغار، وأشق الأعمال أهون على كرام الناس من هذا الشعور، أما أصحاب الدعوات فهذا الشعور لا يعتريهم لارتباطهم بالله ثم لسمو غايتهم وعظم أهدافهم، ولم نعرف أحدًا أعلن أنه يحب السجن قبل سيدنا يوسف- عليه السلام- حينما قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (يوسف: من الآية 33).

 

فلماذا أحب سيدنا يوسف- عليه السلام- أن يُسجن، مع العلم أن السجن مشقة، وما يُدعى هو إليه لذة؟

 

لأن الكريم ابن الكريم جعل مشقة السجن وعذابه أهون عنده من أن يُذم في الدنيا- بخيانة مَن رباه عزيز مصر- والعقاب في الآخرة بمعصية الله، فالبريء المسجون الذي أرضى ربه يشعر بسعادة عظيمة، وهي المدح في الدنيا عند خروجه من سجنه والثواب الدائم في الآخرة عند لقاء ربه.

 

والفئة الحاكمة في أي مجتمعٍ تستطيع حبس الجسد رغم براءة صاحبه كما فُعِلَ بسيدنا يوسف- عليه السلام-، ولكنها لا تستطيع حبس الروح إلا بموافقة صاحبها.

 

والسجن أو الحبس نوعان: سجن لا إرادةَ للفرد فيه؛ حيث تفرضه الفئة الحاكمة حسب هواها، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ (يوسف: من الآية 32)، وسجن يفرضه الإنسان على نفسه، وهو ما قال عنه الإمام ابن القيم رحمه الله: "لا يسلم الطريق لمَن أراد الله والدار الآخرة حتى يحبس قلبه وجوارحه"؛ فحبس القلب يكون عمَّا حرَّم الله وحبسه على طاعة الله والتعلق به سبحانه، أما حبس الجوارح فيكون عمَّا حرَّم الله وحبسها أيضًا على طاعة الله سبحانه.

 

وهناك من الناس مَن يتمرَّد على هذين السجنين فيطلق العنان لشهواته، ويظن بذلك أنه حقق لنفسه مزيدًا من الحرية، لكنه في الواقع يكون أكثر الناس حسرةً يوم القيامة عندما يدخل حبسًا شديدًا ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)﴾ (الهمزة)، فالناس عند خروجهم من الدنيا صنفان؛ صنفٌ خارجٌ من السجن، وصنفٌ داخلٌ السجن، فمَن أراد النجاة فليدخل هذين السجنَين المنجيَين (حبس القلب والجوارح).

 

يا رب حبـك في دمي وكيـاني           نور أغر يذوبُ في وجـداني

أنا لا أضامُ وفي رحابك عصمتي          أنا لا أخافُ وفي رضاك أماني