أحرص من فترةٍ لأخرى على زيارة أستاذنا الفاضل فريد عبد الخالق والجلوس إليه والاستماع لآرائه العميقة في الأمور العامة، خاصةً ما يتعلق منها بشئون الدعوة وأحوالها.. أو بالفهم الرحب لرسالة الإسلام العظيم.. الفهم الذي يوجه صاحبه إلى معاني التيسير والتخفيف ورفع الحرج وكل ما من شأنه أن يجعل واقع المسلمين متسقًا مع دينهم دونما رهقٍ ولا عنتٍ ولا تكلف؛ ذلك الفهم الذي يُميِّز مدرسة (الإخوان المسلمين) من وقت ما أطلت على وجه الحياة العامة في مصر سواء من جهة عمق الفهم للنصوص أو عمق الفهم للواقع الاجتماعي الذي يعيشونه، وكان التداخل والتوافق بين أبناء الإخوان وباقي المجتمع في أرقى صوره.. دون مخالفةٍ في مظهرٍ ولا تكلفٍ في منطق وما كان العضو في جماعة الإخوان ليعرف إلا من خلال جديته وثقافته وأمانته وسماحته وإتقانه لعمله ومشاركته الفعَّالة للناس في كل ما يصلح حالهم.
من المعاني العميقة التي سمعتها من الأستاذ فريد عبد الخالق مؤخرًا فهمه للآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24) والآية ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: من الآية 97) فيشير إلى أن معنى (الحياة) معنى كبير وجليل ولا يكون ولا يتحقق إلا إذا تحقق معه توافق- الروح والجسد والعقل- وهو يختلف عن معنى (المعيشة) واستشهد بالآية الكريمة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: من الآية 124) ولم يقل سبحانه وتعالى (حياة ضنكًا)!! وكان حديثه- أطال الله في عمره- عن معنى (الذكر) غاية في الرقة والعمق والسعة والذي قد يختصره البعض- خطأً- في أوراد أو تسابيح فقط.. على ما لهما من أهمية في تزكية النفس وترطيب الوجدان.
والحقيقة أن الربط الوثيق بين (الحياة الطيبة) و(الذكر) من الأمور التي تشغل تفكيري كثيرًا.. وهو ما جعلني أهتم بفكرة (مقاصد الشريعة).. الشريعة التي هي خير كلها، عدل كلها، قسط كلها، رحمة كلها.. كما يقول ابن القيم- رحمه الله-.. وأنها جاءت لتحقيق مصالح الناس وتهيئة سبيل (الحياة الطيبة) أمامهم... ومعروف أن المقاصد الخمس للشريعة هي (حفظ النفس والعقل والمال والدين والعرض).. وبعض العلماء تحدث عن حفظ الحرية كمقصدٍ سادس.. أحيانًا تسمى هذه المقاصد (محاسن الإسلام) وأحيانًا تسمى (مكارم الشريعة).. ويرونها (المظلة الكبرى للإسلام كله ولشريعته) كما قال بذلك الإمام الشاطبي في كتابه المشهور (الموافقات) والذي قدم فيه أشهر تقسيم للحاجات البشرية (ضرورية وحاجية وتحسينية).
الشيخ محمد عبده- رحمه الله- رأى أن فهم (المقاصد) مهم لثلاثة أسباب وكان متأثرًا في تحديدها بعصره.. السبب الأول أنها تساعد على فتح باب الاجتهاد.. وتساعد على توسيع (القياس) إحدى الأدوات المهمة في أصول الفقه؛ وذلك بغرض التوسيع على الناس ورفع الحرج عنهم خاصةً فيما يُستجد على حياتهم إذ لا بد أن يكون المجال مفتوحًا للاجتهاد المتجدد في الفهم والاستنباط من النصوص العامة فيما لا نص فيه، وكما يقول العلماء إن النصوص متناهية وتطورات الحياة غير متناهية.. وبالتالي فالاجتهاد مهم جدًّا.. لأنه لا يمكن أن يكون لكل تطور متوقع في المستقبل نص خاص به.
السبب الثاني كان الإصلاح والنهوض بالدين.. بغرض تجاوز الأفكار التقليدية حول دور الدين في الحياة، وهو السؤال الذي كان مطروحًا بعنفٍ في هذه الفترة بين مَن يدعون إلى تنحية الدين عن الحياة كما فعلت أوروبا ونهضت!! ومَن يدعون إلى النهوض بالأمة من خلال النهوض بالدين.
السبب الثالث كان بغرض ربط الحضارة الإسلامية بالشريعة ومقاصدها، وأن هذه الحضارة هي أهم ما أنتجته الشريعة.. وكانت هناك حوارات طويلة بين الشيخ محمد عبده- رحمه الله- وبين مفكرين أجانب حول ذلك.
من جانبي أرى أن المقاصد مهمة جدًّا لضبط الفهم وتقدير المصالح التي حيثما كانت كان شرع الله كما يقول العلماء... فالعرف الإنساني في كل مجالاته كثيرًا ما يتغير ومن الطبيعي أن توافيه الشريعة وفق ما يقتضيه هذا التغير والتجدد.. لتحقيق الغاية الحقيقية من الوجود والحياة كما أرادها الله لنا على هذه الأرض ولحفظ العقل من الشطط والانحراف؛ لأن العقل بطبيعته لا يكف عن السؤال وطلب الفهم.. ونماذج سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام نقرأها في القرآن ليلاً ونهارًا، وهو ما يجعلنا ننتبه إلى أهمية نشر وتعميم (ثقافة التساؤل)، ويُقال إن كلمة (سؤال) وردت في القرآن حوالي 126 مرةً بتنويعاتٍ مختلفة، ورحم الله عمر بن الخطاب الذي عاتبه بعض أصحابه لأنه كان يضع عبد الله بن عباس في مكانة خاصة لديه.. فرد عليهم بالإيجاب مؤكدًا أهليته في ذلك لأنه (صاحب لسان سؤول وقلب عقول).. إنه عمر الذي قال أيضًا: "مَن سوده قومه على غير فقهٍ كان ذلك هلاكًا له ولهم.."؛ لأنه مهم جدًّا لصاحب القرار في الشئون العامة أن يكون أقرب إلى رجاحةِ الحكم وسعة الأفق وعمق الفهم وسعة المعرفة.. فيعرض الأمور على أصولها ومرجعيتها ويقيسها بأشباهها ويزنها بمعيار الحكمة والعقل والمصلحة.. ملمًّا بطبائع الناس والمجتمع الذي يعيشه ويتبصر جيدًا في المعلومات والأخبار التي تتحرك حوله؛ وذلك حتى يكون قائدًا مسئولاً بحق وحقيق كما يقولون وكلمة فقه لا يقصد بها بالطبع المعرفة بالأحكام الشرعية.. إنما يقصد بها فقه الحياة.. و(الحياة الطيبة) على وجه التحديد.
أتمنى أن يلقى موضوع (الحياة الطيبة) هذا اهتمامه الذي يليق به من العلماء والمثقفين والسياسيين.. كما أتمنى على الشباب أن لا يكفوا عن التساؤل وأن يعتبروه البوابة الكبرى لتحقيق الفهم والاطمئنان.. وليتذكروا دائمًا تساؤلات الأنبياء.. الذين كانوا في معية الوحي...!! فلا يتلبسهم خوف أو وجل حين يتحرك تفكيرهم بالسؤال.. هكذا يعلمنا الإسلام العظيم وهكذا كانت النماذج التاريخية التي أنتجها الإسلام.