د. حلمي القاعود

 

لا أدري ما الذي يزعج خدَّام الاستعمار الصليبي الصهيوني من الحديث عن الخلافة الإسلامية، في حين لا يمسُّون بسوءٍ نظامَ الخلافة الأوروبية الذي يباركه الفاتيكان، ويبدي رأيَه فيمَن يدخل ومَن لا يدخل (تأمل موقفه من تركيا والبوسنة مثلاً!!).

 

الخلافة الإسلامية في أوجها صنعت حضارةً إنسانيةً راقيةً كانت أساسًا للمدنية الراهنة، وشهد بذلك المنصفون من المستشرقين وكتَّاب الغرب الشرفاء، ولكنَّ خدام الاستبداد والغرب الصليبي الصهيوني يصرُّون على أن الخلافة الإسلامية كانت رمزًا للحكم الثيوقراطي والاستبداد السياسي والقهر والقتل والقمع.

 

ومع أن الأحكام العامة آفةُ الموضوعية ومرضُ الفكر المنهجي العلمي فإن القوم- من خلال إرهاب الإسلام أو فوبيا الإسلام- يصرون على تشويه، بل تلويث كل ما يمتُّ للإسلام بصلة، لا تجد أمرًا ذا صلة بالإسلام إلا وهو ملعونٌ في أدبياتهم وكتاباتهم وكلماتهم.

 

وقد قبلوا أن يكونوا خَدَمًا في بلاط الدول البوليسية الفاشية التي تحكم العالم العربي والإسلامي، ويقودوا عملية التشهير بالإسلام، وإلصاق سلبيات الحكم الكنسي في العصور الوسطى به، ولم يجدوا غضاضةً أو وخزًا في ضمائرهم، وهم يرمزون إلى الإسلام بالإظلام أو الظلام، ويسمون الفكر الإسلامي بالفكر الظلامي، وقد تحدَّث بعض المسئولين مؤخرًا عن ضرورة مكافحة الفكر الظلامي، أي الإسلام ومعطياته.

 

لم ينظر القوم إلى ما سبق الوحدة الأوروبية المعاصرة أو الخلافة الأوروبية الراهنة من صراعات دموية راح ضحيتها ملايين الأوروبيين في الحربَين العالميتَيْن وحدهما، ناهيك عن القتال الشَّرِس الذي دار بين القبائل الجرمانية والوندال والساكسون وغيرها؛ مما أفقد الأوروبيين أعدادًا مهولةً من البشر؛ بسبب الهمجية التي حكمت تصرفاتهم وسلوكهم المتوحِّش الذي لا يعرف الرحمة ولا الإنسانية، ولماذا نذهب بعيدًا وقد صنعوا بالمسلمين في الأندلس بعد انتصارهم ما يندى له جبين الإنسانية؟! من خلال محاكم التفتيش في الضمائر، بل إن المسلمين الذين تنصَّروا (الموريسك) لم يتركوا منهم أحدًا إلا وقاموا بقتله أو استعباده، واقرأ إن شئت ما كتبه الراحل محمد عبد الله عنان، مستشهدًا بما كتبه الغربيون أنفسهم، وهو مخزٍ بكل المقاييس!!

 

ثم إنهم عندما أخذوا في استعمار العالم الإسلامي كانت وحشيتُهم تشهد بتفوُّق الحيوانات المتوحشة عليهم في الإنسانية، لقد قتلوا في يوم واحد على سبيل المثال أكثرَ من 45 ألف جزائري مسلم خرجوا للتظاهر السلمي من أجل الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، مثلما استقلَّت فرنسا عن ألمانيا النازية التي أذاقتها الويلات والموت، ولكن الطبيعة الاستعمارية المجرمة واحدة لا تتغيَّر أبدًا، بل انظر ما يجري في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان الآن، وما يحدث في غيرها بطريقة مباشرة وغير مباشرة.

 

والمفارقة أن بعض كتَّاب السلطة- وفي مقدمتهم طه حسين عميد الأدب العربي- لم يكتب حرفًا واحدًا عن دموية الاستعمار الفرنسي في الجزائر أو بلاد الشام، ولم يستنكر مذابح فرنسا التي استنكرها بعض الفرنسيين أنفسهم؛ ولذا نال وسام فرنسا بدرجة "فارس"، وهو ما يفعله الآن كتَّاب السلطة في بلادنا البائسة، وخاصةً من تلامذة هنري كورييل، حين ينحازون إلى الغُزاة ضد دينهم وأوطانهم وثقافتهم، ويدعمون النزعات الانفصالية في الدول العربية والإسلامية، فينالون بعض الجوائز، أو بعض الشهرة في أجهزة الدعاية لدى الحكومات القمعية في بلادنا التعيسة.

 

لم يتخلَّف خلفاء طه حسين إذًا عن فعل الشيء ذاته، وراحوا يركِّزون اهتمامهم في تصيُّد أخطاء بشرية لطغاة وجبابرة، مثل الذين يخدمونهم، وبرهنوا من خلالها على إخفاق الخلافة الإسلامية ودمويتها، بل إنهم وضعوا حركات العنف المضاد المحدودة الذي قامت به بعض الجماعات