الحدث الجلل التاريخي العظيم (فتح القسطنطينية) في20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29/5/1453م على يد القائد المسلم العظيم (محمد الفاتح) يجب ألا يمر علينا مرور الكرام دون وقفات مهمة نستلهم منها الدروس والعبر لإعادة بناء أمتنا من جديد، وإعادة البناء عنوانها الكبير هو (التربية)، بتربية جيل صالح، وإعداد قائد مؤمن ناجح.

 

وتلك مهمة كبيرة وممتدة يجب أن تشد إليها الرحال، وأن تشمر لها سواعد الرجال، وأن تعمل من أجلها الأمهات ليل نهار، وأن يبذل لها المتخصصون والمهتمون بشئون التربية طاقات كبيرة وجهودًا عديدة، وأن تتضافر جهود الجميع عبر محطات تربوية كثيرة تعتمد على التخطيط وحسن الصلة بالله وقوة الارتباط بمبادئ الإسلام وأهداف الشريعة، فإعداد القادة العظماء لا يأتي طفرةً أو اعتباطًا، بل هو عملية شاقة وطويلة وشاملة وتغطي جوانب الشخصية كلها دينيًّا ودنيويًّا، فكريًّا وحركيًّا، بدنيًّا وروحيًّا، علميًّا وعمليًّا وتبدأ منذ نعومة الأظافر وعبر مراحل النمو، وتعمل على تنمية الملكات واكتشاف المهارات وصقل القدرات في عملية متتابعة مستمرة لتنشئة القائد المرجو.

 

فلم يأتِ الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أو القائد الواعي نور الدين محمود أو المحرر الناصر صلاح الدين من فراغ، بل من خلال إعداد متميز وجهاد متواصل لصناعة قائد رباني ناجح عظيم.

 

التعليم في الصغر كالنقش على الحجر

تربى محمد الثاني منذ نعومة أظافره على معاني البطولة والجهاد والقيادة والصلاح، فقد كان أبوه السلطان مراد الثاني أحد أبرز خلفاء الدولة العثمانية (دولة الخلافة الإسلامية) يربي أبناءه ليكونوا قادة عظامًا، يحملون الراية من بعده؛ لذلك فقد عهد بابنه لعدد من المربين والعلماء الأفاضل لتربيته على القيم الإسلامية والمعاني الجهادية.

 

ضرورة تعاون الآباء مع المربين

النقلة الكبيرة ونقطة التحول في حياة الفاتح (التحول من الترف والضياع إلى الجد والنجاح)

لاحظ السلطان مراد الثاني أن ابنه محمدًا غير جادٍّ في تحصيل العلوم وأن به ميلاً للترف واللهو، وأنه لا يستجيب لمعلميه، فطلب مراد الثاني معلمًا يتميز بالمهابة والحزم وقوة العلم، فدلوه على العالم الرباني المولى "أحمد بن إسماعيل الكوراني"، فأحضره وطلب منه أن يكون معلمًا لولده، وأعطاه صلاحيات التأديب والحزم والضبط والربط، بل فوَّضه بضربه إن لزم الأمر، وأعطاه قضيبًا ليضرب به محمدًا إذا لم يتعلم منه، فذهب الكوراني لمحمد ودخل عليه والقضيب بيده، فقال له:

أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري, فضحك السلطان محمد خان من ذلك الكلام، فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربًا شديدًا حتى خاف منه السلطان محمد خان وختم القرآن في مدة يسيرة، (وكان هذا الضرب بمثابة صدمة تربوية لتغيير الحال القديم إلى حال جديد، مثل جلسات الكهرباء التي يحتاجها بعض المرضى)، ثم علمه بعد ذلك العلوم الإسلامية، وقرأ عليه كتب التاريخ، وظهر نبوغ محمد على سائر الأمراء، واستطاع أن يتقن ثلاث لغات هي التركية والفارسية والعربية.

 

صناعة الفاتح (على يد من تربَّى محمد الفاتح؟)

أولاً: على يد أبيه القائد الصالح السلطان مراد الثاني، الذي حرص على الآتي:

1- تقديم القدوة من نفسه بالصلاح والتقوى.

2- حسن المتابعة ودوام الرعاية.

3- حسن اختيار المربين الناجحين المؤثرين.

4- تقديم التدريب العملي على القيادة بأسلوب التجربة والخطأ.

 

لا يصح بحال من الأحوال أن يأتي القائد من المريخ ليتولى إدارة أمر من الأمور لا علم له به من قبل ولا دراية له بأحوال البيئة ولا بطبائع الناس، كما نراه في دول العالم الثالث المتخلِّف من الدفع بأشخاص لإدارة شئون الأمة دون سابق خبرة أو علم أو تدريب، وهذا ما فطن له السلطان مراد الثاني والد محمد الفاتح، والذي كان يزهد في الملك والرئاسة، وتخلَّى عن الحكم، ودفع بابنه ليدربه على الإدارة بشكل تدريجي على الوجه التالي:

1- التدريب الجزئي: حرص السلطان مراد الثاني على الدفع بالفاتح للمراكز القيادية ليتربَّى على هذه المكانة السامية، فجعله بادئ الأمر أميرًا على مقاطعة (مغنيسيا).

 

2- التدريب الكلي تحت الملاحظة: لما رأى السلطان مراد الثاني من ولده كفاءةً وحسن قيادة رقَّاه إلى مكانة سامية، فتنازل عن السلطنة بأسرها ومحمد في الرابعة عشرة، ودخل مراد في خلوة للتعبد والتأمل، ولكن لم يترك مشروعه لإعداد قائد عظيم يتعرض لتيارات الأعداء والمعارضين داخليًّا وخارجيًّا بل ظل يراقب مشروعه عن كثب ليتدخل في الوقت المناسب، وبالفعل تدخل مرتين:

أ- مرة عندما أعلنت أوروبا الصليبية الحرب على العثمانيين لصغر سن سلطانهم، فخرج مراد من عزلته وقاد المسلمين لانتصار ساحق على الصليبيين في موقعة فارنا في 28 رجب 852 هـ، ثم عاد مرةً أخرى لخلوته وترك ولده محمدًا سلطانًا على البلاد.

 

ب- ثم خرج مرةً أخرى عندما حدثت اضطرابات داخلية على يد الجنود الانكشارية الذين استضعفوا سلطانهم، فخرج لهم مراد وأدَّبَهم.

 

3- تولي القيادة وتحمل المسئولة الكاملة: وهي فترة ما بعد وفاة والده السلطان مراد الثاني عندما وصل محمد الفاتح إلى النضج الكافي.

ثانيًا: على يد الخبراء التربويين والعلماء المخلصين:

وقد شارك في صناعة مهارة القائد الفاتح:

1- المعلم الأول هو: العالم أحمد بن إسماعيل الكوراني، الذي تولى تحفيظ محمد القرآن وقراءة الكتب الشرعية، وربَّى محمدًا على تعظيم أوامر الله، والتزام حدود الشريعة والتقوى والصلاح، وكان هذا المربي الفاضل يمزق الأمر السلطاني إذا وجد به مخالفةً للشرع، ولا ينحني للسلطان، ويخاطبه باسمه مباشرةً ويصافحه، ولا يقبِّل يده.

 

لذلك فإنا نجد أثر هذه التربية الصحيحة على محمد، فنجده عند ولايته يعظِّم الشرع وعلماء الدين وأهل الورع والتقى، حتى كاد أن يقتل أحد أتباعه؛ لأنه قد قام بضرب أحد القضاة، ورفض تنفيذ حكم الشرع الذي قضى به هذا القاضي، ونجد أن محمد الفاتح يجعل حاشيته وبطانته وخواصه من العلماء والصالحين، وكان لا يسمع عن عالم في مكان أصابه عوز أو إملاق إلا بادر بمساعدته، وكان من عادته في شهر رمضان أن يعقد مجلسًا بعد صلاة الظهر يحضره العلماء المتبحِّرين في التفسير، فيقوم كل مرة واحد منهم بتفسير آيات من القرآن الكريم ويناقشه باقي العلماء، وكان الفاتح يشاركهم في ذلك.

 

ويذكر عنه أنه لما انتصر على زعيم التركمان حسن الطويل وكان هذا الرجل دائم العدوان والغدر والتحالف مع أي ملة ضد العثمانيين أمَرَ الفاتح بقتل الأسرى إلا من كان من أهل العلم والمعرفة، مثل القاضي محمد الشريحي الذي خرج مكرهًا مع الطويل، وكان هذا العالم من فضلاء زمانه فأكرمه الفاتح لعلمه رغم عدوانه.

 

2- المعلم الثاني هو: الشيخ محمد بن حمزة الروحي الملقَّب بـ(آق شمس الدين)؛ حيث يعتبر أهل التاريخ أن الشيخ (آق شمس الدين) هو الفاتح المعنوي للقسطنطينية لجهوده العظيمة في تربية وإعداد ورعاية ومتابعة الفاتح عبر مراحله المختلفة حتى بعد فتح القسطنطينية؛ حيث إنه:

أ- ربى الفاتح على أمرَين عظيمَين:

1- مضاعفة حركة الجهاد العثمانية.

2- الإيحاء دومًا لمحمد منذ صغره بأنه الأمير المقصود بالحديث النبوي: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"، حتى تشبَّع فكر محمد بأنه المعنيُّ بهذا الحديث، وكان أول ما فعله بعد ولايته الإعداد لفتح القسطنطينية، وقد كان.

ب- علَّم الفاتح العلوم العلمية من الرياضيات والفلك والتاريخ وأساليب الحرب.

ج- هو الذي حصَّن الفاتح ضد الظلم، فلقد استدعى الفاتح يومًا ثم قام بضربه ضربًا شديدًا بلا سبب، وبكى الفاتح بشدة، وظل يتذكر تلك الواقعة حتى لما تولى السلطنة أيام أبيه مراد استدعى شيخه (آق شمس الدين) وسأله بغضب شديد: لم ضربتني يوم كذا ولم أكن قد فعلت ما أستحق عليه الضرب؟! فقال له شيخه: أردت أن أعلمك كيف يكون طعم الظلم؟ وكيف ينام المظلوم؟ حتى إذا وليت الأمر لا تظلم أحدًا، فما كان من الفاتح إلا أن اعتذر لشيخه وقبَّل رأسَه ويدَه.

د- هو الذي ساعد الفاتح على الثبات والاستمرار:

* قبل الفتح: عندما انكسر جيش الفاتح في مرحلة من المراحل، وحاول البعض أن يفتَّ في عضده ويصفه بالتهوُّر حينما هلك كثير من الجنود وفسد كثير من العتاد وأتى للأعداء عون كثير من بلاد الإفرنج، وقالوا له إنك فعلت هذا جريًا وراء كلام أحد المشايخ، يقصدون (آق شمس الدين)، فأرسل الفاتح وزيرًا للشيخ يسأله ما الحل؟ فأجاب الشيخ: (لا بد من أن يمن الله بالفتح)، ثم أرسل إليه الفاتح مرةً أخرى يطلب منه أن يوضح أكثر، فردَّ الشيخ على تلميذه برسالة يقول فيها: (هو المعز الناصر.. إن حادث السفن قد أحدث في القلوب التكسير والمَلامة، وأحدث في الكفار الفرح والشماتة..  إن القضية الثابتة هي أن العبد يدبِّر والله يقدِّر والحكم لله، ولقد لجأنا إلى الله، وتلونا القرآن الكريم، وما هي إلا سِنَةٌ من النوم بعد إلا وقد حدثت ألطاف الله تعالى، فظهرت من البشارات ما لم يحدث مثلها من قبل)، فأحدث هذا الخطاب طمأنينةً وراحةً في الأمراء والجند، وقرَّر مجلس الحرب الاستمرار في الحرب لفتح القسطنطينية.

 

* بعد الفتح: فعندما أراد الفاتح بعد فتح القسطنطينية أن يعتزل ويترك الحكم ويتفرغ للعبادة، سأل الشيخ آق فقال له الشيخ: إنك إذا دخلت الخلوة تجد لذةً تَسقُط عندها السلطنة من عينيك، فتختل أمورها، وما أنت فيه أفضل من دخولك للخلوة والتعبد، وهذا فهم عظيم من هذا المربي الصالح.

 

إنجاز العملية التربوية

يتضح مما سبق أن إنجاز العملية التربوية لا بد له من تعاون الآباء مع العلماء والمشرفين التربويين؛ لما لهذا التعاون من أثر بالغ في صناعة الشخصية، وعلى ضوء تجربة إعداد القائد العظيم (محمد الفاتح) نستطيع أن نلخِّص دور الآباء والعلماء في إعداد القادة العظماء في النقاط التالية:

أولاً: دور الآباء في صناعة القادة العظماء

1- أن تتوفر لدى الآباء الإرادة والعزيمة وصدق النية على إعداد قائد رباني ينهض بالأمة.

2- أن يقدموا القدوة العملية من أنفسهم.

3- أن يحرصوا على توفير المحضن التربوي المناسب.

4- أن يتعاون الآباء مع العلماء والمشرفين التربويين.

5- أن يخططوا لمستقبل الأبناء برؤية طموحة.

6- أن يدربوا الأبناء تدريبًا عمليًّا واقعيًّا.

7- أن يتابعوا تقدم الأبناء وما يعتريهم من عقبات.

8- أن يقدموا الحلول المناسبة بالتشاور مع أهل الخبرة.

ثانيًا: دور العلماء والمربين في صناعة القادة العظماء

1- حسن الصلة بالله       2- قوة العلم الشرعي           3- قوة الدفع والتأثير
4- الدراية الواعية بالقدر اللازم من علوم الدنيا 5- الصفاء الروحي 6- الحزم والجدية في الحق 7- العزوف عن الدنيا     8- الابتعاد عن الغرور      9- مجاهدتهم لأنفسهم
10- عدم خضوعهم للسلطان فيما يخالف أمر الله 11- القدرة على التخطيط لمستقبل الأمة
12- بث روح الأمل في نفوس الجيل الصاعد 13- السهر ليل نهار على تربية قادة المستقبل
14- الرؤية التربوية الثاقبة 15- القدرة على غرس القيم بطريقة ناجحة
عبْر هذه التربية الإسلامية الصادقة وبجهود هذا الأب الحريص وهؤلاء المربين الأفاضل.. كان من الطبيعي أن تثمر للأمة قائدًا عظيمًا كمحمد الفاتح، الذي حقَّق هذا النجاح الباهر، وأحدث هذه النقلة العظيمة في تاريخ أمة الإسلام بل في تاريخ العالم.

 

لذا وجب على الآباء والعلماء وكل المهتمين بأمر التربية أن يشدُّوا الرحال نحو إعداد الجيل الجديد وتربية قادة المستقبل، وأن يعقدوا مجالس للآباء لتبادل الخبرات، وأن تكون هناك لقاءاتٌ ودوراتٌ ومحاضراتٌ عن طرق التربية واكتشاف المواهب وحلّ المشكلات، وكيفية الارتقاء بالأبناء عبر مراحل نموِّهم المختلفة، وأن يتسلَّحوا بالعلم والخبرة، وأن يجمعوا بين الأصالة والمعاصرة، فيضموا- إلى جانب رصيدهم العظيم من المبادئ- وسائل جديدة ومبتكرة للرقيِّ بخير أمة أخرجت للناس إلى مكانتها اللائقة بين الأمم.