بقلم: د. حامد أنور*

يزعم العلمانيون أنهم لا يؤمنون إلا بالأسلوب المبني على التجربة والتطبيق وتدوين الاستناجات ويرفضون الغيبيات ويرون أن العلمانية هي التي أضاءت العقل البشري بنور المعرفة وحررته من الخرافة، ولكن كل هذا هُراء، فالعلمانية بها من الخرافات والضلالات ما تتضاءل أمامه خرافات الديانات الوثنية كالبوذية والهندوسية؛ بل إنَّ الجهالاتِ التي تتعايش فيها العلمانية تستحي منها قبائل البوشمن والهوتنتوت.

 

لقد أخذت العلمانية العقل البشري إلى هوةٍ سحيقةٍ من الظلمات يتخبط فيها وتستهويه فيها الشياطين لتقطعه الحيرة ويلفه الدجل في غياهب من الأباطيل والجهالات فكاهن العلمانية الأول وأحد الدجالين الكبار تشارلز دارون احتقر العقل البشري بشكلٍ لم يسبق له مثيل وهوى بالإنسانية إلى مستنقع اللاغاية واللاهدف فأصبح الإنسان تمامًا كالأنعام يأكل ويشرب و.. غيره.

 

وقد اعتمد في ذلك على غيبياتٍ صريحةٍ لم يرها ولم يشاهدها ولم يُقدِّم دليلاً علميًّا واحدًا عليها لسببٍ واحدٍ هو استحالة حدوثها، لقد زار دارون إحدى الجزر ورأى اختلاف مناقير بعض الطيور من ذوي السلالة الواحدة فاستنتج من هذا المنظر أكبر أكذوبةٍ في التاريخ وجعل الإنسان الكائن الذي خلقه الله بيديه مجرد كائن تطوَّر عن عالم الحيوان، وبالذات عمَّا انتهى إليه أسلافه من اليهود وهم القرود، وأن الأسماك تحوَّلت إلى زواحف، والزواحف تحوَّلت إلى طيور وخرجت اللافقاريات والفقاريات لينتهي المطاف بالقرد الذي تحوَّل إلى إنسان!!.

 

وبالطبع كل ذلك خيال وغيبيات لم يرها أحد، ولم يكن دارون شاهدًا عليها ولم يكن أي واحدٍ من أولئك الذين حذوا حذوه وساروا خلفه رأى شيئًا أو شاهده.. أَوَليست تلك غيبيات أَوَليست تلك أياطيل ودجلاً وشعوذةً، فالعلم الحديث لم يرصد تحول سحلية مثلاً إلى عصفور أو أن سمكةً خرجت تتمشى على شاطئ البحر ساعتين ثم عادت.. فكيف يحدث هذا لمرةٍ واحدةٍ وفقط دون أن تُسجِّل عدسة العلم تكراره مرةً أخرى، وليس وجود أصناف مختلفة من التفاح- لمَن لا يعرف نوعًا من الفاكهة- منها الأحمر والأصفر والأخضر يعني أن التفاح كان أصله برتقالاً وليس وجود نوعين من القطن طويل التيلة- قبل أن يقصر على يد يوسف والي- وآخر قصير التيلة أن القطن كان أصله بنجر هل هذا علم أم دجل؟!.

 

هل هذا واقع أم أنها غيبيات جاهلية؟ فالمعروف أن الصفة المكتسبة لا تورث بمعنى أن التغير الجسماني الذي يطرأ على الشخص لا يورث لابنه فرجل كمال الأجسام يُخلِّف أطفالاً عاديين، بل قد يُصابون بالأنيميا، ولقد قام أحد العلماء- اسمه فايتسمان- بتجربة تهدم دجل دارون وأباطيله فقطع أذيال تسعة عشر جيلاً متواصلة من الفئران- وأُكرر تسعة عشر جيلاً- فكانت النتيجة أن الفئران تُولَد بذيل.. فلماذا لم تنتقل التغيرات التي طرأت على الفئران إلى أبنائها.

 

كما أن الانتخاب الطبيعي الذي زعمه دارون وما شهد عليه أحد وما رأه أحد وما سجله أحد لم نره يحدث في الجنس البشري، فالبلهارسيا من آلاف السنين تجد في أجساد المصريين ملاذًا آمنًا وتنتقل بحريةٍ شديدةٍ بين أعضائه ولم تظهر سلالة جديدة من المصريين لديها مقاومة للبلهارسيا، بل إنَّ المواطن المصري ما إن ينزل الترعة حتى تقبل نحوه البلهارسيا بلهفةٍ شديدةٍ وتحتضنه بكل قوة، والبشر يتعرَّضون كل عامٍ لنزلات البرد ولم تظهر سلالة بشرية ضد البرد، كما أن الزهري الذي فتك بالآلاف في أوروبا في القرن قبل الماضي لم يتم التغلب عليه إلا باكتشاف البنسيلين أي بعاملٍ خارجي ولم تظهر سلالة بشرية أوروبية ضد الزهري.. فهل رأيتم دجَّالاً مثل دارون ومروجًا للأكاذيب مثله؟.

 

والغريب أن بعض الحمقى في علم الاجتماع يجعلون هذا الوهم منطلقًا لآرائهم ونظرياتهم فيقول إن البشر في صفةٍ ما أو موروث ما كالشرف مثلاً من حيث معناه ومدلوله فيقول إن البشر قد اتفقوا على.. ثم يخرج رأيه فيما اتفقوا عليه دون أن يخبرنا متى اتفقوا وأين كان الاجتماع؟ ومَن الذين شاهدوه؟ ولماذا كان رأيهم ملزمًا؟.

 

ما هذه الأباطيل؟ ما هذه الافتراءات؟ ثم يزعمون بعد ذلك أن العلمانية لا تؤمن بالغيبيات كيف أيها المضلون ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)﴾ (الكهف).

-----------

*d.hamedanwar@yahoo.com