الصورة غير متاحة

 عكاشة عباد

يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 216)، هذا هو اختيار الإله، وهذا هو اختيار الإنسان، فالإنسان يتحرك طبقًا لعواطفه وأحاسيسه وتخيلاته وظنه ونظرته للأشياء، فهذا يحبه ويتمناه بل ويسعى جاهدًا أن يُدركه فإذا أدركه سعد به، وما هي إلا لحظات حتى يتحسر على ما أصابه ويتألَّم بسبب ما أحبه، وشيء آخر يكرهه ويتهرب منه فإن أصابه تألَّم وقال لو كان كذا وكذا لكان كذا، ولو ذهب لما ذهب، وما أن تمضي تلك الغُمَّة وتذهب هذه الفتنة فلا يرى إلا نورًا ونصرًا وفوزًا يجعله يتمنى لو زاد ما كان يكرهه.

 

وهكذا سيظل الإنسان، ولكن لماذا؟ لأنه اختياره يحكمه علمٌ وتقديرٌ محدود لا يتعدى اللحظات التي يعيشها، أما الإله- سبحانه- فما قدَّره وجعل ظاهره تعبًا ومشقةً وحرمانًا (كالحج والزكاة) أو إزهاقًا للحياة (كالقتال)، فيما يظنه الناس، ولكنَّ باطنَه خيرٌ عظيم، ولكن لماذا؟ لأن ما قدَّره الإله كان على علمٍ تام ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، وقد قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله لمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" (رواه أحمد)، وقال ابن القيم سألتُ شيخنا- ابن تيميه-: أفي كلِّ قضاء حتى الذنب؟ قال: "نعم، بشرط أن يؤدي هذا الذنب إلى شيءٍ مما يُحبه الله عز وجل كالندم والانكسار والبكاء بين يدي الله".

 

الإخوة والأخوات..

هناك كثيرٌ من المشاهد نرى فيها أعمالاً ظاهرها الكراهية والألم وباطنها النجاح والخير، فها هو الجنايني يشق الشجرة ليُطعمها فتنبت ثمارًا، وها هو الأب يؤلم ابنه ويحرمه من بعص ملذاته لينتج شابًّا ناجحًا، وها هو الطبيب يشق جسد المريض ويسيل دمه لينزع منه مرضه.. فإذا هو صحيحٌ مُعافى.

 

الإخوة والأخوات..

هذه هي معادلة الحياة وما فيها من أحداث متقلبة، وكل فرد منا يمر بعسى وعسى، يتقلب بين الخوف والطمأنينة، وبين الحزن والفرح، وحصن الداعية وسفينة نجاته في خضمِّ هذه التقلبات هو ترك الأمور للذي يعلم ويوقن أنَّ قدره كله خير، فإبقاؤه مع أهله خيرٌ وإبعاده عن أهله خير، فالمهم أنَّ ما يُصيبه بعيدٌ عن دينه ودعوته، وألا يحب شيئًا يكرهه الإله ولا يكره شيئًا يحبه الإله.

 

الإخوة والأخوات..

علينا أن نُسلِّم فقد سلَّم قدوتنا محمد- صلى الله عليه وسلم- في كلماتٍ كلها نور"إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي".. فاللهم رضِّنا بقضائك حتى لا نُحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، وقدِّر لنا الخير أينما كان فإنك تعلم ولا نعلم.