د. محيي حامد

 

بقلم: د. محيي حامد

نستكمل اليوم حديثنا عن "وصايا إلى أحبة القلوب"، ونتحدث عن الوصية الثانية "قوة القلوب وغذاء الأرواح".

 

فالمحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون, وإلى علمها شمر السابقون, وعليها تفانى المحبون وبروح نسيمها تروَّح العابدون، فهي قوت القلوب, وغذاء الأرواح، وقرة العيون.

 

وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو من بحار الظلمات, والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام, واللذة التي مَن لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام.

 

* ما أجمل هذه الكلمات التي ذكرها الإمام ابن القيم والتي تُعبِّر عن حال قلب العبد مع ربه, وقد امتلأ حبًّا لله عز وجل يبغي رضاه, وفي ذلك فليتنافس المتنافسون, ولقد تربَّى جيل الصحابة والرعيل الأول من المسلمين على بذل الأرواح والأموال، وكل ما يملكون حبًّا لله وفي الله, ولقد ضربوا لنا أروع الأمثلة في ذلك, فخليفة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر الصديق ينفق كل ماله وعندما يسأله رسول الله صلي الله عليه وسلم ماذا أبقيت لعيالك؟ فجاءت الإجابة المُعبِّرة عن حال القلب الموصول بالله فقال: "أبقيت لهم الله ورسوله".

 

عند ذلك قال سيدنا عمر- رضي الله عنه-: "لا طاقة لي بأبي بكر ما سبقته إلى شيء إلا وجدته أسبق مني", هكذا كان الجيل القرآني الفريد الذي يعيش بالقرآن في واقع حياته وسلوكياته اليومية، والتي ما زلنا حتى يومنا هذا نتعلم منه الكثير, والتي منها: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم, مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111).

 

* إن القلب إذا أحبَّ شيئًا أقبل إليه وخضع له, وأطاعه في كل ما يأمر, إن المحب لمَن يُحب مطيع, وهذه حقيقة العبودية: الخضوع والطاعة, وليس للقلب إلا وجهة واحدة وليس للإنسان إلا قلب واحد, قال تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: من الآية 4)، وإذا كان أقبل بها على مولاه أعرض عمَّا سواه وكان عبدًا له حقيقة, وإذا أقبل على هواه أعرض قطعًا على مولاه وكان عبدًا لسواه, والحق سبحانه لا يرضى لعبده أن يكون عبدًا لغيره.

 

* فمحبة الله لعبده تقريبه واجتباؤه, ومحبة العبد لله طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه, ومحبة العبد على قسمين أولها: عن شهود الإحسان, فلا شك أنَّ العبدَ إذا نظر إلى إحسان الله تعالى وإنفاقه عليه بضروب النعم الحسية والمعنوية أحبه لا محالةَ؛ لأن القلوب مجبولة على حسب من أحسن الله إليها, أما القسم الثاني فناشئ عن شهود الجمال: فإن العبد إذا كُشف الحجاب عن قلبه, وزالت عنه الموانع والقواطع رأى جمال الحق وكماله, وأشرقت أنواره على قلبه, والجمال محبوب بالطبع, فانعقدت المحبة بينه وبين مولاه, وفي ذلك أشارت رابعة العدوية في قولها:

أحبك حبين حب الهوى   وحبًّا لأنك أهلٌ لذاكا

فأمَّا الذي هو حبُّ الهوى فشُغلِي بذكرك عمَّن سواكا

وأمَّا الذي أنت أهلٌ له      فكشفُك لي الحُجبَ حتَّى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

 

* والمحبة في ثلاثة أشياء:

- محبة المؤمنين في الله عز وجل، وعلامتها كف الأذى وجلب المنفعة.