قد يفهم الإنسان ما يقرأ وما يرى، ولكن هذا لا يعني أنه يملك القدرةَ على التقييم الشامل لما يقرأ وما يرى، وخصوصًا إذا كان محرومًا أو فقيرًا في الإمكانات العلمية، وآليات البحث الوافي الدقيق، ويزيد الطين بلةً إذا كان مصابًا بآفةٍ من الآفات النفسية أو الخلقية: ثابتةً أو طارئةً.
وفي السطور الآتية نعرضُ في إيجازٍ شديد أمثلةً مما يسقط فيه الباحثون وهم يصدرون أحكامهم على المعطيات التاريخية أو الدينية أو الأدبية أو النقدية.
من مظاهر السقوط والخطأ
1- التعميم في الأحكام، أي إصدار حكمٍ عام يستغرق كل "مفردات" النوع، دون القيام باستقراء شامل للظواهر، والمعطيات العلمية والاجتماعية والدينية.
2- استنباط نتائج تأخذ طابع الحسم من مقدِّمات غير بديهية وغير مسلَّم بها.
3- الإسراف والتطرف في الأحكام مما يناقض الموضوعية والفكر السديد، والأمثلة أكثر من أن تُحصَى، ومنها: ما قاله محمد خليفة التونسي عن العقاد: "إنه يعشق الأدب، كما يعشق النبي أو الصوفي العاشق ربه"، وكذلك قول ثروت أباظة عن العقاد: ".. إنه أستاذنا، وأستاذ الجيل الذي سبقنا، والأجيال اللاحقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها"، وقد لا يؤمن القارئ بأستاذية العقَّاد للجيل السابق، فما بالك بالأجيال اللاحقة؟! إلى يوم القيامة، ولا أقول إلا سبحان علام الغيوب.
وفي مجال الدعوة كتب أحد الأساتذة ".. والحقيقة الواضحة الجلية التي لا يماري فيها إلا المكابرون أن مباحث أمن الدولة تعرف كل مليم لدى الإخوان والمحبين للإخوان حتى الجار السابع".
وهذا الحكم التهويلي المسرف مثقل بالعيوب الآتية:
أ- فقد حكم على رؤيته الخاصة بأنها حقيقة واضحة حاسمة لا تناقش.
ب- أنه ذم منكريها بأنهم مكابرون، مع أنهم يبلغون مئات الألوف من الإخوان وغيرهم.
جـ- أنه- في غلوٍّ مرفوضٍ- خلع على رجال مباحث أمن الدولة من الذكاء والقدرة والدهاء ما لا يحلمون ببعضه، وأجهزة الأمن في كل أنحاء العالم بكل تقنياتها أعجز عن أن تقوم ببعض ما ذكره الأستاذ المحترم.
د- كما يرفض العقل طرح الرأي في بلاغة مدرسية، كمسألة الجار من غير الجار.
4- تحكيم معايير ومصطلحات حديثة في أحوال ومعطيات قديمة، كادِّعاء كثير من العلمانيين بأن المسلمين في عصر النبوة والخلفاء كانوا متخلِّفين سياسيًّا؛ حيث لم يكن ثمة ديمقراطية، وتمثيل شعبي، ونظام نيابي، مع أن الشورى كانت أصلاً مكينًا من أصول الحكم الإسلامي، وإن لم تكن في الثوب الحديث، وهذا وضع طبيعي.
5- غلبة الهوى في إصدار الأحكام؛ بحيث يكون لشخصية القائل أو الفاعل الاعتبار الأول مجاملة أو إزراء، بصرف النظر عن قيمة ما قدمه قولاً أو فعلاً.
6- اتباع الطرافة الأخَّاذة الجذابة حرصًا على الشهرة، وغالبًا ما يكون ذلك مرتكزًا على مقولة "خالف تعرف" على ما فيها من تضحية بالثوابت والقيم الدينية والتراثية والحقائق اليقينية، كقول أحدهم: إنما نؤمن بالآيات (القرآن) ولا نؤمن بالروايات (يقصد السنة)، وقول آخر "الإسلام دين وأمة، لا دين ودولة" سبحان الله يا سيد، إن الواقع التاريخي أثبت أن الإسلام دين وأمة ودولة، فلا تقوم وتستقيم أمة بلا دولة، تحكمها وتُنظِّم شئونها، ولا قيمةَ لدولة لا تؤدي مهامها في أمةٍ تدافع عنها، وتحمي كيانها، وتُقيم العدل فيها.
7- التعبُّد والاستسلام في نطاق الدين للمحدثات الاصطلاحية والترويج لها، وكلها تجعل من الإسلام "إسلامات" متعددة مثل "الإسلام السياسي" و"الإسلام الاجتماعي" و"الإسلام الروحاني".. إلى آخره، والصحيح أن نقول السياسة الإسلامية أو الشرعية والتربية الإسلامية والاقتصاد الإسلامي.. إلخ.
8- تصعيد الرأي الشخصي وإسناده للإسلام بصورة الحسم، وقد يكون الموضوع محلَّ خلاف، مع إغفال ألفاظ الاحتراس والتواضع العلمي، مثل: بقدر علمي.. وآمل ألا أكون مخطئًا.. وكل ذلك بعيدًا عن التأويل الفاسد، الذي يناقض الرؤية البصيرة، والفكر السديد.
مع الدولة الإسلامية
الإسلام دين ودولة، وشريعة ومنهاج، ونظام وعمل.. إنها بديهية لا يؤيدها واقع التشريع الإلهي فحسب، ولكن يؤيدها واقع التاريخ في مسلك النبي- صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين من بعده، وهذه الحقيقة اعترف بها منصفو المستشرقين:
* يقول فتزجرالد: "ليس الإسلام دينًا فحسب، ولكنه نظام سياسي أيضًا".
* ويقول نلينو: "لقد أسس محمد في وقت وحد دينًا ودولةً، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته".
* ويقول ستروثمان: "الإسلام ظاهرة دينية سياسية؛ إذ إن مؤسسه كان نبيًّا وكان سياسيًّا حكيمًا "أو رجل دولة".
* ويقول توماس أرنولد: "كان النبي في نفس الوقت رئيسًا للدين ورئيسًا للدولة".
بدأ المجتمع السياسي- أو الدولة- حياته الفعلية، وأخذ يؤدي وظائفه، ويحول المبادئ النظرية إلى أعمال بعد أن استكمل حريته وسيادته، وضمَّ إليه عناصر جديدة، ووجد له وطنًا على أثر بَيْعَتَي العقبة بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ووفود المدينة، وما تلاهما من الهجرة، وقد نصَّت المادة الأولى من الاتفاقية الخاصة بحقوق الدول وواجباتها التي عقدتها الدول الأمريكية في مونتفديو في 26 من ديسمبر سنة 1933م، على ما يأتي:
يحب لكي تعتبر الدول شخصًا من أشخاص القانون الدولي أن تتوافر فيه الشروط التالية:
1- شعب دائم.
2- إقليم محدود.
3- حكومة.
4- أهلية الدخول في علاقات مع الدول الأخرى.
وبدون تعمُّل أو إسراف نستطيع أن نقول: إن المجتمع الذي استقر على أرض المدينة كان- بوجود النبي- صلى الله عليه وسلم- على مدى عشر سنوات- يمثل بكل معنى الكلمة دولة متكاملة، لها كل الشرائط والأركان السابقة:
* فالمدينة رقعة من الأرض، أو إقليم له حدوده المميزة المعروفة عند سكانها وغيرهم.
* والشعب هو جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم من أجل عقيدتهم، وقد جمع النبي- صلى الله عليه وسلم- بين هذه العناصر، وصهرها في بوتقة واحدة، فربطت بينهم قيم الحب والإخاء والإيثار.
* أما الحكومة فهي حكومة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقد اعتمدت في الحكم على ركائز إنسانية، من أهمها الشورى والعدل.
* وكل أولئك جعل لهذه الدولة الجديدة أهلية كاملة في التعامل- كشخصية اعتبارية- مع الآخرين. بل إن النبي- صلى الله عليه وسلم- باشر مهماته السياسية عند وصوله إلى المدينة مباشرة، فكتب "دستور المعايشة" وهو يعد من أطول كتبه، إن لم يكن أطولها، وهو ينظم العلاقات الاجتماعية، والقانونية، وأسلوب التعامل، ويحدد الحقوق والواجبات في حالتي الحرب والسلم في هذا المجتمع الجديد بما فيه من مهاجرين، وأنصار وجماعات وقبائل اليهود.
***
وقد اتسعت هذه الدولة بشموليتها العقدية لكل من دخل الدين الجديد، وقد قامت على أكتاف مسلمين، اختلفت إمكاناتهم واستعداداتهم، بل جنسياتهم: فكان هناك صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وأبو بكر العربي.
كما ضمت خالد بن الوليد القائد الفارس، وأبا هريرة المحدث، وعبد الله بن مسعود، حافظ القرآن الذي كان النبي يحب أن يسمعه منه، وزيد بن ثابت أقرأ الناس، وأكتب الناس، وأبا بكر الصديق أنسب الناس، أي أعلمهم بعلم الأنساب، وعمر بن الخطاب القدير في الإدارة.
وبالنسبة للحالة المالية، ضمت رقاق الحال، مثل أهل الصفة، وأبي ذر الغفاري، كما ضمت الأثرياء مثل: عبد الرحمن بن عوف، ومصعب بن عمير، وعثمان بن عفان.
وأهل الصفَّة كانوا- كما نقل التاريخ- هم أضياف الإسلام، لا أهل ولا مال، إذا أتت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صدقة أرسل بها إليهم، ولم يصب منها شيئًا، وإذا جاءته هدية أصاب منها، وأشركهم فيها، فأقبلوا مجتمعين، فلما جلسوا قال: "خذ يا أبا هريرة فأعطهم".
ومن رقاق الحال أبو ذر الغفاري- رضي الله عنه- الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أقلت الغبراء، وما أظلت السماء، خيرًا من أبي ذر".
ومع ذلك رفض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يوليه منصبًا قياديًّا، يقول أبو ذر: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة، خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه منها".
وذلك لأن أبا ذر بطابعه الروحي الزاهد لم يرزق قدرة القيادة على صلاحه وتقواه، كما قال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا ذكر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين ولا تولَّين مال يتيم".
ومن أثرياء المجتمع الإسلامي: مصعب بن عمير، وهو أول سفيرٍ للنبي إلى المدينة، واستشهد في معركة أحد. قال عنه سعد بن أبي وقاص: كان مصعب بن عمير أنعم غلامٍ بمكة، وأجوده حلةً مع أبويه، ثم رأيته زهد في الإسلام زهدًا شديدًا، حتى لقد رأيت جلده سقط كما يسقط جلد الحية.
ومن أشهر أثرياء المسلمين: عبد الرحمن بن عوف، لما هاجر إلى المدينة، كان فقيرًا لا شيء له، فآخى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بينه وبين سعد بن الربيع أحد النقباء فعرض عليه أن يشاطره نعمته فقال: "بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق"، فذهب فباع واشترى، وربح، ثم بارك الله له في ماله، حتى أصبح ذا ثروة ضخمة كونها من حلال.
وعاش طيلة عمره كريمًا متصدقًا بماله، واختاره عمر من الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة لهم من بعده.
ولعل أشهر أثرياء المجتمع الإسلامي كان عثمان بن عفان- رضي الله عنه- الملقب بذي النورين؛ لأنه تزوَّج رقية بنت الرسول، فلما ماتت تزوج بعدها أختها أم كلثوم. ولا ينسى التاريخ لعثمان أنه جهز من ماله الخاص جيشًا كاملاً أيام النبي- صلى الله عليه وسلم- هو جيش العسرة، كما اشترى للمسلمين بئر رومة، ولما تولَّى كان أول مَن أرسل حملةً بحريةً، غزت قبرص، كما فتحت في عهده اصطخر، وجور، وبلادًا كثيرةً من أرض خراسان، فكثر الخراج على عهده وأتاه المال من كلِّ وجه، حتى اتخذ له الخزائن، وأدّر الأرزاق، وكان يأمر للرجل بمائة ألف بدرة، في كل بدرة أربعة آلاف أوقية، فعاش المجتمع في عهده عيشةَ رخاء ورفاهية قبل حدوث الفتنة التي اشترك فيها الرعاع، وأصحاب المصالح، وحركها اليهود الناقمون على الإسلام.
ومن ثم كان للأثرياء فضلٌ كبيرٌ للنهوض بالمجتمع الإسلامي، فالمسلمون مأمورون بالسعي، وكسب الرزق والادخار الذي يختلف اختلافًا جوهريًّا عن الكنز؛ لأنه يعتمد على السيولة، وتحريك الأموال.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالسعي وتحصيل الرزق، والأكل من الطيبات، والآيات في هذا المجال كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: من الآية 32). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (المؤمنون: من الآية 51). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة: 172)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (البقرة: 267).
والله سبحانه وتعالى قد قيَّض لفقراء المسلمين أثرياءهم الصالحين ليقفوا بجوارهم، ويمنحوهم حقهم في هذا المال.
كما وسَّع الإسلام لهم في الثواب، فمما جاء في الأثر عن أبي ذر- رضي الله عنه- أن أناسًا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالوا للنبي: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر". رواه مسلم.
وقد كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- نعمَ القدوة والأسوة، فكان زاهدًا في الحياة غير حريص على الدنيا، وقد يشتد على نفسه، ويطلب من المسلمين ألا يتمثلوا به في هذه الخصلة التي تعد، أو تدخل في مقام النبوة، ويقول لهم:- ليس هيئتكم مثل هيئتي- كما أنه تمتع بما يحب من متاع الحياة الحلال، فتنقل كتب الشمائل المحمدية أنه لبس الحبرة (ثوبًا يمنيًّا جميلاً) وكان له بردان أخضران، وأكل الدجاج والحبارى، وكان يحب الدبَاء، كما أكل الحلواء والعسل، والشواء، والقثاء بالرطب، والبطيخ بالرطب، وكان أحب الشراب إليه، الحلو البارد، كما كان يتعطر، ومن أحاديثه- صلى الله عليه وسلم-: "كلوا واشربوا والبسوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة".
ومن ثَمَّ يجب أن ننظر بحذر إلى ما رُوي من أنه- صلى الله عليه وسلم- مات ودرعه مرهونة عند يهودي مقابل شعيرٍ أو طعامٍ اقترضه لأهل بيته.
فالحديث يتجافى مع مكانة النبي- صلى الله عليه وسلم- بين المسلمين، كما أنه يجعل اليهود دائنين لنبي الإسلام، كما أن مقابل الطعام أو الشعير كان زهيدًا لا يحتاج إلى رهنٍ أو قيمة مادية كبيرة، ولو صحت هذه الواقعة فهي لم تطرد في حياة النبي عليه السلام، ويجب ألا نحملها أكثر مما تحتمل.
*****
أما موقف المسلمين كما كان، وكما يجب أن يكون، وخصوصًا بالنسبة للدعاة وقادة العمل الإسلامي في وقتنا الحاضر من تطور الحياة وما دخل عليها من مظاهر ومعطيات تختلفُ عمَّا كان في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- والرعيل الأول، فهذا يحتاج إلى مقالٍ آخر نأمل أن نقدمه في القريب إن شاء الله.
------------------