رجاء النقاش

 

منذ أسابيع نشرت جريدة "الإندبندت" البريطانية عن قصيدةٍ طويلةٍ مشهورةٍ في الأوساط الأدبية المصرية، وربما العربية أيضًا وهي قصيدة الأميات للفنان الكبير الموهوب الراحل نجيب سرور، وكان في حديث الجريدة الإنجليزية تعاطف مع القصيدة ودفاع عنها ودعوة إلى نشرها علنًا بدلاً من وضعها الحالي، وهو أنها تنتقل بين الأيدي بطريقة سرية كأنها منشورٌ يصل من يدٍ إلى يد بعيدًا عن العيون.

 

فما هي حكاية قصيدة نجيب سرور هذه؟

لقد ظهرت هذه القصيدة في سبعينيات القرن الماضي، والمعروف أن نجيب سرور كتبها، وهو في حالة مرض نفسي وجسماني معًا، وكانت صحته تتدهور يومًا بعد يوم، كما كانت أحواله النفسية تزداد يأسًا وإحباطًا بصورةٍ مستمرة، وفي هذه الظروف السيئة كتب نجيب سرور قصيدته تلك، وهي قصيدة في نحو مائتي بيت، وقد أطلق الشاعر عليها اسمًا بالغ البذاءة، واختصر الناس هذا الاسم حتى يكون ممكنًا أن ننطق به علنًا دون خجل أو تحرج، وهذا الاسم المختصر المهذب للقصيدة هو "الأميات"، وتمَّ حذف الجزء الأول البذيء جدًّا من العنوان، وهذه القصيدة الطويلة تقوم من البداية إلى النهاية على تجريح الشاعر نفسه ولمجتمعه ولبعض الأفراد المعروفين بأسمائهم ممن كان الشاعر نجيب سرور يشعر بالغضب عليهم واعتبرهم سببًا من أسباب أزمته وانهيار صحته، بل وانتهاك عرضه كما يقول: وقد انساق الشاعر الكبير الموهوب وراء إحساسه العميق بالمرارة، وأنه مجروحٌ في ما يحبه ويعتز به، إلى استخدام ما يجوز ولا يصح من الألفاظ والصور البذيئة، فجاءت القصيدة عاريةً تمامًا من أي ستارٍ شفافٍ يواري ما فيها من بذاءةٍ لم تترك لفظًا من الألفاظ الجارحة والخارجة إلا واستخدمته دون تردد، وقد أخذت هذه القصيدة البذيئة تنتقل من يدٍ إلى يدٍ عن طريق نسخها أو عن طريق الكاسيت؛ حيث سجَّلها الشاعر بصوته المؤثر وأدائه المسرحي، فقد كان الشاعر نجيب سرور إلى جانب موهبته العالية في الأدب والشعر مخرجًا وممثلاً مسرحيًّا.

 

ماذا كان مصير هذه القصيدة العجيبة؟

لقد انتهى الأمر بالقصيدة لأن تصبح عملاً سريًّا يتبادله الناس في الظلام، وأصبح الذين سمعوها أو قرأوها يخجلون من تقديمها للآخرين، أما الذين عرفوا نجيب سرور وقدرته الفنية الكبيرة، فقد شعروا بالأسف العميق لأن الشاعر الموهوب قد أهدر في هذه القصيدة موهبته وإمكاناته الفنية العالية.

 

والحقيقة أن هناك ضرورةً للتحذير من هذا اللون من الأدب السري البذيء، ولا أدري ما الذي دفع جريدة "الإندبندت" البريطانية وهي جريدة محترمة وجادة إلى الاهتمام بقصيدة نجيب سرور والدعوة إلى نشرها علنًا والقصيدة لا تعدو أن تكون قاموسًا للبذاءة وفيها تمزيقٌ لنفس الشاعر بما يُشبه ما يسميه علماء النفس بمرض تعذيب الذات أو الماسوشية كما يقول الاصطلاح العلمي الخاص بهذا المرض.

 

الأسباب التي تدعو إلى التحذير من هذه البذاءة الأدبية كثيرة، وأهمها أن هذا اللون من الأدب هو أدب غير سليم من الناحية الفنية نفسها، فهو أدب مباشر عريان يتحول الغضب فيه إلى صراخ وعويل، ولم يستطع مثل هذا اللون من الأدب على مرِّ التاريخ أن يعيش ويؤثر في الناس بمثل هذا التعبير المباشر، وهو تعبير يشبه الصراخ في المظاهرات أو نداءات الباعة المتجولين في الشوارع والأسواق، ولو كان الأدب يؤثر بهذه الطريقة المباشرة لما احتاجت الإنسانية إلى جميع الأشكال الفنية التي تقوم على الرمز والإيحاء والصور المختلفة التي تجعل المعاني تتسرب إلى نفوسنا بسهولة ويسر، والعاشق يقدم وردةً إلى حبيبته، لتوحي إليها الوردة بما في نفسه من عواطف؛ وذلك دون أن يتكلم بكلمة واحدة، فالإيحاء هنا أجمل وأكثر تعبيرًا وتأثيرًا من أي كلامٍ مباشر يُقال: ولو أن هذا العاشق أجلس حبيبته أمامه وألقى عليها محاضرة في الحب فأغلب الظن أنها سوف تضيق به وربما أغلقت بابها في وجهه، لأن التعبير عن الحب بالو